عبد الشافى محمد عبد اللطيف

216

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

لإشباع بطونهم كما يزعم أعداء الإسلام . * موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات بعد توضيح هذه الملاحظات أو النقاط التي كانت ضرورية لبيان موقف الخليفة عمر بن الخطاب من الفتوحات ، الذي دعانا إلى إعادة قراءته وتقديمه للناس ما أشرنا إليه في البداية ؛ وهو اتهامه من بعض أساتذة التاريخ بالجهل بأمر البحر ، والتردد في قرار الفتح . كان عمر بن الخطاب أقرب الصحابة رضي اللّه عنهم جميعا إلى أبي بكر وأبرز المشاركين في القرار السياسي ، وعلى علم تام بكل شيء من أمور الدولة وبأدق التفاصيل ، وكان متفقا تماما مع أبي بكر في ضرورة حرب الروم حربا وقائية ، أو القيام بالهجوم الذي هو أفضل وسائل الدفاع - كما يقول العسكريون في كل زمان ومكان - بل فكر فيها ربما قبل أن يفكر فيها الخليفة أبو بكر نفسه ، أو في الوقت نفسه ، فقد قال لأبي بكر عندما دعاه للاشتراك في الاجتماع الذي قرر فيه غزو الشام : « واللّه ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . قد واللّه أردت لقاءك لهذا الرأي الذي ذكرت ، فما قضى اللّه أن يكون حتى ذكرته الآن ، فقد أصبت أصاب اللّه بك سبل الرشاد » « 1 » . ولما آلت إليه الأمور بعد وفاة الصديق ، كانت رحى الحرب دائرة ، والجيوش الإسلامية مشتبكة في معارك كبيرة على الجبهتين الفارسية والرومية ، فواجه الموقف بكل وعي وعزم وتصميم ورجولة فائقة قل نظيرها في التاريخ . ومضى بالفتوحات إلى نهاية محددة أو فلنقل : إلى حدود جغرافية يمكن الدفاع عنها ؛ ففي الشام واصلت الجيوش الإسلامية فتوحاتها إلى حدوده الشمالية حتى سلسلة جبال طوروس التي تفصله عن آسيا الصغرى ، وغربا حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط ، وشرقا حتى حدوده مع العراق حيث التقت بقوات الفتح الإسلامي هناك ، والحد الجنوبي للشام هو الجزيرة العربية ، كما هو معروف . وتم فتح مصر ، بل تجاوزتها جيوش الفتح إلى طرابلس الغرب ، وهنا كانت وقفة عمر الحاسمة بضرورة التوقف ، والاكتفاء بفتح مصر « 2 » ، التي كان فتحها ضرورة عسكرية لتأمين الفتوحات الإسلامية في الشام ، ولم يكن ممكنا ولا مقبولا ، لا من

--> ( 1 ) انظر فتوح الشام لمحمد بن عبد اللّه الأزدي ( ص 2 ) . ( 2 ) ابن عبد الحكم وفتوح مصر ( ص 172 ، 173 ) .