عبد الشافى محمد عبد اللطيف

217

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الخليفة عمر نفسه ، ولا من قائد فتح مصر عمرو بن العاص ؛ تجاهل أهمية مصر العسكرية والوقف دونها ، ولو حدث ذلك لانتقدهما العسكريون وخطؤوهما . وفي العراق استقر الفاتح العظيم سعد بن أبي وقاص في المدائن عاصمة الأكاسرة من آل ساسان ، بعد انتصاره الرائع عليهم في موقعة القادسية العظيمة ، وهنا تصور عمر رضي اللّه عنه أن الخطر قد زال عن الدولة الإسلامية ، باندحار جيوش الفرس والروم ، ومن ثم فليس هناك داع للاستمرار في المعارك ؛ فهذه البلاد التي فتحت بتلك السرعة ، وإن انتزعت من الفرس والروم ؛ فهي ليست بلادهم ، فهي أرض عربية ، ومعظم سكانها عرب ، والفرس غرباء على العراق ومحتلون له ، والروم غرباء على الشام ومحتلون له أيضا ، ومشاعر السكان لم تكن ودية في العراق للفرس ولا في الشام للروم ؛ لأسباب كثيرة . وفي ضوء ذلك يمكن أن نفسر ونفهم مقولة الإمبراطور هرقل اليائسة وهو يغادر أنطاكيا بعد انكسار جيوشه وهزيمتها الساحقة ؛ خاصة في معركة اليرموك الخالدة فقد قال - والألم يعتصر قلبه على جهوده الضائعة التي بذلها في استرداد هذه البلاد من الفرس قبل سنوات قليلة - : « عليك يا سوريا السلام ؛ ونعم البلد هذا للعدو » « 1 » . هذه رواية البلاذري لمقولة هرقل . أما بتلر فقد ذكرها بصيغة أخرى في كتابه « فتح العرب لمصر » ؛ نقلا عن المصادر البيزنطية ، ولكنها تؤدي ذات المعنى ؛ يقول بتلر : وعرف الإمبراطور أن بقاءه بالشام قد أصبح لا غناء فيه فرحل عنها - أنطاكيا - إلى القسطنطينية في البحر ، في شهر سبتمبر ( سنة 636 م ) ، وقال إذ هو راحل : « وداعا يا بلاد الشام ؛ وداعا ما أطول أمده » « 2 » ويقول بتلر معلقا على مقولة هرقل : « وكأننا بها تحمل ما كان يدور في نفسه من أن مجده الغابر ونصره الباهر قد انتهيا بعد الخذلان والعار ، وأنه إذ يقولها ليودع عزه وبطولته » « 3 » . فلماذا قال هرقل هذه المقولة اليائسة التي تعبر عن فقدان الأمل نهائيّا في استرداد بلاد الشام من أيدي المسلمين ؛ مع أن هذه البلاد ذاتها كان الفرس قد استولوا عليها ؛ ثم استردها منهم هو نفسه منذ سنوات قليلة ( 622 - 628 م ) ؟ ليس هناك من تفسير معقول ومقبول لذلك

--> ( 1 ) فتوح البلدان ( ص 142 ) . ( 2 ) بتلر - فتح العرب لمصر ( ص 173 ) . ( 3 ) بتلر - فتح العرب لمصر ( ص 173 ) .