عبد الشافى محمد عبد اللطيف
188
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
* معاهدة الحديبية في ميزان العلاقات الدولية : تقف معاهدة الحديبية التي وقّعت بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبين قريش ، دليلا شامخا على ميل المسلمين إلى السلام ، وعلى أن السلام هو الأصل في علاقات المسلمين بالآخرين . فما هي قصة هذه المعاهدة ؟ منذ بدء الدعوة الإسلامية وقريش تعادي النبي صلّى اللّه عليه وسلم عداء سافرا ووحشيّا ، استمر ما يقرب من عشرين عاما ، وبعد ست سنوات من الهجرة قضاها النبي وأصحابه في جهاد مستمر ، ضد المشركين من العرب تارة ، وضد اليهود ومؤامراتهم وخياناتهم تارة أخرى ، وفي أثناء ذلك كان الإسلام يزداد منعة وانتشارا وقوة ، مما جعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم يفكر أنه ربما تكون قريش قد اقتنعت بخطئها وعجزها عن مقاومة الإسلام ، فقرر أن يعطيها فرصة إما لتدخل فيما دخل الناس فيه وتعتنق الإسلام ، وإما أن تكف عن حربه ومقاومته وعن صد الناس عنه فأعلن صلّى اللّه عليه وسلم في ذي القعدة من العام السادس الهجري عن عزمه على زيارة مكة هو وأصحابه ، زيارة سليمة لتأدية شعائر العمرة ، وهي تجربة لقريش ، فإن هي خلت بينه وبين زيارة البيت الحرام ، فقد يكون ذلك مؤشرا طيبا لتراجعها ، ولبداية علاقات سلمية معها ، وعندئذ يمكن أن يتفرغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم لتبليغ دعوته خارج شبه الجزيرة العربية . ودعا القبائل العربية المجاورة للمدينة ، والتي لا تزال على شركها لتشاركه وأصحابه زيارة البيت الحرام ، ليدلل أكثر وأكثر على رغبته في السلام . ومن ناحية أخرى حرص النبي على أن يأخذ معه أكبر عدد من المسلمين ؛ لأن احتمال أن تضطره قريش إلى الدخول معها في معركة كان احتمالا واردا ، فهو يعرف غدرها وغرورها ، فخرج من المدينة ومعه نحو ألف وأربعمائة من أصحابه مقدمين الهدي أمامهم ، كدليل على أنهم جاؤوا معتمرين حاجين ، ولم يجيؤوا مقاتلين « 1 » . وما أن علمت قريش بعزم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى أعلنت عن موقفها العدائي ، وهو منع النبي من دخول مكة ، مهما كلفها ذلك ، واستنفرت جيشا كبيرا جعلت على قيادته خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل . وكان هذا موقفا ظالما مصرّا على العداء والحرب . فكيف تمنع قريش النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه من زيارة البيت الحرام ،
--> ( 1 ) في كل ما يتعلق بقصة الحديبية راجع : ابن هشام ، القسم الثاني ( ص 308 ) وما بعدها ، ابن حجر - فتح الباري ( 7 / 349 ) وما بعدها ، د . هيكل - حياة محمد ( ص 363 ) وما بعدها .