عبد الشافى محمد عبد اللطيف

189

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الذي هو مباح للعرب جميعا ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان مصرّا على تنفيذ خطة السلام التي التزمها منذ خروجه من المدينة ، فقرر ألا يعطيها فرصة لاستفزازه والدخول معها في معركة ما استطاع إلى ذلك سبيلا . فما أن سمع بموقفها حتى قال : « يا ويح قريش ! لقد أهلكتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإلم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة » وليتحاشى الاحتكاك بجيش قريش سلك طريقا صعبا ، تجشم فيه هو وأصحابه متاعب كبيرة حتى وصلوا إلى الحديبية . وليدلل على صدق نواياه فقد أطلق سراح مجموعة من جيش قريش ، وقعت أسرى في أيدي المسلمين ، حينما حاولوا الإغارة على معسكر النبي . ولكن كل ذلك لم يجد أمام نزعة قريش العدوانية . حتى بعد أن عادت إليها كل وفودها التي أرسلتها إلى النبي ، مؤكدة لها أنه ما جاء مقاتلا بل زائرا للبيت يسوق الهدي أمامه . ولكنها أصرت على موقفها ، وعلّلت ذلك بعلة سخيفة ؛ وهي خوفها من ضياع هيبتها وسمعتها أمام العرب . ولكن كل هذا لم يثن عزم النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن المضي في شوط السلام إلى نهايته وعبر عن ذلك بقوله : « واللّه لا تدعوني قريش إلى خطة يسألون بها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها » وأرسل إلى قريش عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، ليفاوضها ، وطالت إقامة عثمان في مكة أكثر مما ينبغي ، حتى أشيع أنه قتل ، وعندئذ كان لا بد من أن يتغير الموقف ، فإذا كانت قريش قد غدرت برجل مسلم مسالم في الشهر الحرام فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لن يترك مكانه حتى يلقنهم درسا كالذي أخذوه في بدر . وكان المسلمون قد امتلأت قلوبهم غيظا من صلف قريش وغرورها . فأسرعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يبايعونه على بذل أرواحهم في سبيل اللّه ولإعلاء كلمته . وكان موقفهم رائعا باركته السماء وزكاه الحق تبارك وتعالى في القرآن الكريم : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 18 ] والحق أن القتال كان أحب يومئذ للمسلمين لا لأنهم يهوون القتال لذاته ، ولكن لرد عدوان قريش ، التي لم تكتف بطردهم من ديارهم ، بل وتصرّ على حرمانهم من زيارة البيت ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يفقد الأمل في الوصول إلى خطة سلام . فما أن تبيّن أن خبر اغتيال عثمان غير صحيح ، حتى عاد إلى أسلوب المفاوضات من جديد ، واتصلت المباحثات بين الفريقين . وانتدبت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي باسمها ، ولكن على أساس شروط