عبد الشافى محمد عبد اللطيف

172

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

العرب ، ناهيك عن حبه لمولاه زيد بن حارثة وابنه أسامة الذي كان معروفا بحبّ رسول اللّه وابن حبّه . لهذا لا يقلل من شأن الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة والسلام - أن تكون رسالاتهم محدودة ؛ لأن هذا وضع اقتضاه تطور البشرية ، وكل منهم أدى دوره ، وكان لبنة في صرح بناء عقيدة التوحيد ، حتى جاء الوقت الملائم لوضع اللبنة الأخيرة ، فكانت رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال آخر - وهو سؤال قديم متجدد - هو : إذا كانت رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم عالمية لكل الجنس البشري ، فما هو السبيل لحمل الناس كافة على اعتناق هذه الرسالة والإيمان بها ؟ والإجابة على السؤال نجدها في القرآن الكريم ، حيث حدد لصاحب الرسالة - عليه الصلاة والسلام - الأسلوب الذي ينبغي عليه أن يتبعه في الدعوة إلى دينه ، حيث يقول : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . [ النحل : 125 ] . وينبه القرآن الكريم النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى عدم اللجوء إلى القوة لإكراه أحد على اعتناق الإسلام ، وذلك في نص صريح : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . [ البقر : 256 ] . ويلفت القرآن الكريم نظر النبي إلى أن حمل الناس كافة على اعتناق دين واحد قد يكون أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا ، فيقول تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] ، ويقول : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يونس : 104 ] . وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أن هاهنا تناقضا ؛ إذ بينما نقول : إن رسالة الإسلام عالمية ، نعترف بأن حمل الناس كافة على اعتناق دين واحد هو أمر صعب ، كما تشير الآيات السابقة ، ولكن بشيء من الإمعان والبعد عن الجدل العقيم والتعصب ، نجد ألا تناقض هناك على الإطلاق ؛ لأن معنى عالمية الإسلام - كما نفهمها نحن المسلمين - أن رسالة الإسلام مفتوحة لكل البشر دون أية قيود ، أو عوائق ، وليست ديانة مغلقة ، أو مقصورة على فئة بعينها كما يدعي اليهود أن ديانتهم خاصة بهم وحدهم ، خصهم اللّه بها دون سائر البشر . أما نحن المسلمين فلا ندعي ذلك ، بل نؤمن - ويشرفنا - أن رسالتنا عالمية ، وديننا شامل ومفتوح أمام جميع الناس ، من كل جنس ولون ، فكل من يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فهو مسلم له كل الحقوق وعليه كل الواجبات التي على المسلمين .