عبد الشافى محمد عبد اللطيف

173

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

هذا هو ببساطة معنى عالمية الإسلام ، كما نفهمها نحن المسلمين ، وواجبنا أن ندعو الناس إلى اعتناق ديننا ؛ لأنه دين اللّه الحق ، وسبيلنا إلى ذلك هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، كما علمنا القرآن الكريم ، ورسولنا العظيم ، ولسنا نرى أن السبيل إلى ذلك هو القوة والسيف ، كما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم . وسوف نرجئ مناقشة مزاعم المستشرقين وغيرهم من أعداء الإسلام ، وشبهاتهم التي أثاروها حول انتشار الإسلام بالقوة إلى نهاية البحث ، بعد أن نوضح موقف الإسلام - دولة وشريعة - من قضايا السلام والحرب ، والقانون الدولي وغير ذلك من الموضوعات التي سيتناولها البحث ، فعندئذ قد تكون الصورة أوضح ويكون القارئ الكريم قد أخذ فكرة أشمل عن الموضوع . * السلام أساس العلاقات الدولية في الإسلام : السلام والإسلام مشتقان من مادة واحدة ، والسلام اسم من أسماء الحق سبحانه وتعالى ، والجنة اسمها دار السلام ، وتحية الملائكة للمؤمنين في الجنة حين يلقونهم هي السلام ، وتحية أهل الجنة في الجنة هي السلام ، وتحية المسلم للمسلم حين يتلاقيان هي السلام ، والسلام والإسلام يلتقيان في توفير الأمن والطمأنينة والسكينة للنفوس المؤمنة . والإسلام دين الرحمة والعدل والسلام ، ورسول الإسلام هو رسول الرحمة والسلام ، أرسله ربه رحمة للعالمين ، وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما . لذلك كان طبيعيّا أن ينادي الإسلام بالسلام ، وكان طبيعيّا كذلك أن ينطلق في صياغة علاقاته الدولية مع الأمم الآخرى من مبدأ السلام . ونقصد بالعلاقات الدولية في دولة الإسلام في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم تلك العلاقات التي نشأت بين الأمة الإسلامية وبين أية مجموعة أخرى غير مسلمة ، أنّى كان موقعها وموقفها . ولذلك تعتبر علاقات النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع قريش - قبل فتح مكة - من هذا الباب ؛ لأن قريشا كانت حينئذ مشركة ومعادية للإسلام ، شنت عليه حربا شعواء استمرت ما يقرب من عشرين عاما . والأسس التي قامت عليها علاقات النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع قريش - قبل فتح مكة - هي تقريبا نفس الأسس التي قامت عليها علاقات المسلمين الدولية مع الفرس والروم وغيرهم . وكانت علاقة المسلمين الدولية بغيرهم تقوم على تقديم السلام من جانب المسلمين واعتباره الأصل في العلاقات الدولية ، واعتبار الحرب ضرورة لا يلجأ إليها إلا عند مقتضياتها ، ويجب حصرها في نطاق هذه