عبد الشافى محمد عبد اللطيف
15
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الصالح ، وأي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد صلّى اللّه عليه وسلم قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة ، كما كانت بعد الرسالة كلها تضحية في سبيل اللّه وفي سبيل الحق الذي بعثه اللّه به ، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات ، فلم يصده عنه أن أغراه قومه وهو في الذروة منهم حسبا ونسبا بالمال والملك وكل المغريات « 1 » . والغريب أن هذه الإنسانية الأخلاقية قد طبقت على هذا النحو الخارق للعادة في أروع صور البساطة واليسر ، فبدت - مع سموها - وكأن البساطة وعدم التقعر أو التكلف نسيجها الذي يجمع بين خيوطها المترابطة « 2 » . فعن عائشة رضى اللّه عنها قالت : « ما لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مسلما من لعنة تذكر ، ولا انتقم لنفسه شيئا يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات اللّه ، ولا ضرب بيده شيئا قط ، إلا أن يضرب في سبيل اللّه ، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما ، فإنه كان أبعد الناس عنه » . عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : « ما خيّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه » « 3 » . « إن هذا النبي كان له - كما يقول كاتب نصراني - في مجال الأخلاق شؤون وشؤون ، فبالرغم من مهامه الجسام وانشغالاته الكثيرة المتنوعة ، وبالرغم من الغزوات والسرايا والحروب ، واضطلاعه بجميع المسؤوليات وحده دون سواه ، فلقد وجد الوقت الكافي ليلقي على المؤمنين - بأقواله وأفعاله - دروسا في شؤون لا تمر ببال مسؤول كبير في مثل مستواه وخطورته . . فذلك العظيم الذي كان يحاول تغيير التاريخ ، ويعد شعبا يفتح الدنيا من أجل اللّه ، ذلك الرجل وجد الوقت الكافي ليلقي على الناس دروسا في آداب المجتمع وفي أصول المجالسة وكيفية إلقاء السلام ، لكأنه معلم حصر مهمته في تثقيف بضعة وعشرين تلميذا ، ولم يكن له مهمة سواها » « 4 » . ولقد نجح محمد صلّى اللّه عليه وسلم نجاحا باهرا في كل عمل اضطلع به من أكبر عمل وهو تبليغ الرسالة إلا أصغر عمل قام به « 5 » .
--> ( 1 ) محمد حسين هيكل - حياة محمد ( ص 583 ) . ( 2 ) انظر د . عبد الحليم عويس - المرجع السابق ( ص 74 ) . ( 3 ) صحيح البخاري ( 2 / 273 ) . طبعة دار إحياء التراث العربي . ( 4 ) د . عبد الحليم عويس - المرجع السابق ( ص 74 ) . ( 5 ) نصري سهلب - في خطى محمد ( ص 366 ، 367 ) .