عبد الشافى محمد عبد اللطيف

16

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

فالتاريخ قد عرفنا برجال حملوا رسالات سماوية وأدوها بنجاح ، ورجال بنوا أمما ، ورجال آخرين أسسوا دولا ، لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل جاء برسالة سماوية من عند اللّه تعالى ، ثم بنى أمة ، ثم أسس دولة ، ونجح في كل ذلك وفي حياته وقبل موته سوى النبي العربي محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولهذا جعله مايكل هارت على رأس قائمة الخالدين المائة من أبناء آدم وعلل ذلك حسب منهجه العلمي ومقاييس العظمة عنده ، بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمي ، وبرّز في كلا المستويين الديني والدنيوي ، وأنه أسس ونشر أحد أعظم الأديان في العالم ، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظماء . « وأنه بعد مرور أربعة عشر قرنا لا زال تأثيره قويّا ومتجددا » « 1 » . وبالقياس نفسه يشهد لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم المؤرخ العالمي الشهير ول ديورانت فيقول : « وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا : إن محمدا كان من أعظم عظاماء التاريخ ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو ولهيب الصحراء ، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لا يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله ، وقلّ أن نجد إنسانا غيره حقق كل ما كان يحلم به ، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين ، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى ؛ بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه ، فقد لجأ إلى خيالهم وإلى مخاوفهم وآمالهم ، وخاطبهم على قدر عقولهم ، كانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء ، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان ، قليل عددها متفرقة كلمتها ، كانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة ، وقد كبح جماح التعصب والخرافات ، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينا سهلا واضحا قويّا ، وصرحا خلقيّا قوامه البساطة والعزة ، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة ، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة ، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم » « 2 » . بعد كل ما تقدم - وهو قليل من كثير - عن شخصية الرسول الخاتم محمد بن عبد اللّه - عليه الصلاة والسلام - وليس عجبا أن تكون تلك الشخصية محور

--> ( 1 ) انظر : الخالدون مائة ، تأليف مايكل هارت ، ترجمة أمين منصور ( ص 13 ) . ( 2 ) د . عبد الحليم عويس - المرجع السابق ( ص 89 ) نقلا عن قصة الحضارة ( 2 / 47 ) .