عبد الشافى محمد عبد اللطيف

127

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عقيدتهم بشرط أن يدفعوا الجزية كدليل على الخضوع وعدم المقاومة للإسلام : فقبلوا ووافقوا على دفع الجزية ، وعاهدهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمنهم على عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم ، وهذا هو نص المعاهدة التي أعطاها لأهل أيلة : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذه أمنة من اللّه ، ومحمد رسول اللّه ، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة اللّه ، وذمة محمد النبي ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر » « 1 » . وحذا أهل أذرح والجرباء حذو أهل أيلة ، فعاملهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم نفس المعاملة وكتب أمان مماثلة لأمان أهل أيلة « 2 » . أما دومة الجندل ، فاستسلم أميرها أكيدر بن الملك الكندي بعد غارة خاطفة شنها عليه خالد بن الوليد ، وقدم به على النبي صلّى اللّه عليه وسلم « فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله » « 3 » . رتب النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذن أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية . ومهد الطريق الذي سوف يسلكه المسلمون في خلافة الصديق لقهر الروم ، وطردهم نهائيّا وإلى الأبد من المنطقة . وبسط عليها هيبة الإسلام ، ومكن لنفوذ المسلمين فيها ، كما أجهز على هيبة الروم عند سكان المنطقة ، وعاد إلى المدينة بجيشه العظيم تحفّه رعاية اللّه وتحرسه عنايته ، ليواصل مسيرته من أجل تثبيت دعائم الإسلام . * نتائج غزوة تبوك : لقد كانت غزوة تبوك ذات أثر كبير في حياة الأمة الإسلامية ومستقبلها ، ولم تكن نتائجها محدودة بزمانها ومكانها ، بل لا نبالغ إذا قلنا : إن غزوة تبوك التي حدثت في شهر رجب من العام التاسع الهجري ، كانت نقطة البداية في علاقات الأمة الإسلامية بأوربا المسيحية تلك العلاقات التي لا زالت قائمة ومستمرة في صور متعددة ، فمن تتبّع مقدماتها وسيرها وما وصلت إليه ، نستطيع أن نقول : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أراد منها أن يحدد للأمة الإسلامية عدوّا رئيسيّا من أعدائها ، وهم الروم ، ونحن

--> ( 1 ) ابن هشام ( 4 / 181 ) وابن الأثير ( 2 / 280 ) . ( 2 ) المصدر السابق الجزء والصفحة نفسيهما . ( 3 ) المصدر السابق الجزء والصفحة نفسيهما .