عبد الشافى محمد عبد اللطيف

126

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، المبعوث رحمة للعالمين ، لم يكن يهدف إلى الحرب من أجل الحرب ولم يكن القتال في حد ذاته هدفا من أهدافه ، وإنما هو وسيلة لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية ، فإذا انسحب الروم من ميدان المعركة ؛ فلا داعي إذن لملاحقتهم وتتبعهم ، وإن عادوا عدنا ، وعلى الباغي تدور الدوائر . * ماذا صنع النبي في تبوك ؟ بعد أن انسحب الروم من أمام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، عسكر بجيشه في تبوك بضع عشرة ليلة ، فماذا صنع في هذه الأيام القصيرة التي قضاها هناك ؟ لقد انسحبت الروم تهيبا من لقاء الرسول . فيجب أن يقضي على نفوذهم أيضا ، وأن يزيل ما بقي لهم من هيبة عند سكان هذه المنطقة . وهم أهل أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل « 1 » . ولكن كيف ؟ سكان هذه الواحات كانوا يخضعون للروم بصورة أو بأخرى ، وينفذون سياستهم ، والروم قد انسحبوا من الميدان ، وهذه الواحات ستكون على أكبر قدر من الأهمية بالنسبة للمسلمين في صدامهم القادم والأكيد مع الروم ، فسوف تكون هذه المناطق ممرات لجحافل المسلمين ، ويجب أن يؤمنوا هذا الطريق ويخضعوه لسلطانهم ، ويقضوا على كل أثر لسلطان الروم على هذه المناطق . الروم قد انسحبوا من الميدان ، ولو كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يهدف إلى فرض الإسلام على الناس بقوة السلاح كما يزعم أعداء الإسلام ، لما كان أسهل من ذلك بالنسبة لهذه المجموعات الصغيرة والضعيفة من سكان أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل ؛ لأنهم لم يكن في مقدورهم أن يرفضوا أو يقاوموا بعد أن انسحب أكبر جيش على وجه الأرض في ذلك الوقت أمام المسلمين . ولكن فرض الإسلام بالقوة أمر غير وارد ؛ لأنه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] لذلك لما جاء وفد أيلة وعلى رأسه يحنّة بن رؤبة « 2 » إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يبدون استعدادهم لقبول شروطه رحب بهم ، وأفهمهم أنهم إن لم يقبلوا الإسلام عقيدة فلن يكرهوا على ذلك ، بل من حقهم أن يظلوا على

--> ( 1 ) أيلة : بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم - البحر الأحمر - مما يلي الشام . أذرح : وهو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز . الجرباء : موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام ، قرب جبال السراة من ناحية الحجاز . راجع معجم البلدان لياقوت . عن أيلة ( 1 / 292 ) - وعن أذرح ( 1 / 129 ) وعن الجرباء ( 1 / 118 ) . أما دومة الجندل فقد سبق تعريفها . ( 2 ) انظر ابن الأثير ( 2 / 280 ) .