عبد الشافى محمد عبد اللطيف

125

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بالتأهب ، وحث أهل اليسار على المساعدة في تجهيز الجيش ، فأسرع الصحابة الأجلاء إلى تلبية طلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وظهر إيثارهم للدعوة والعقيدة على كل شيء سواها ، وأنهم على استعداد للتضحية من أجل الدعوة لا بأنفسهم فحسب ، ولكن بأموالهم أيضا ، وكانوا بحق هم الذين اشترى اللّه تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . أنفق أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهم جميعا ، وأنفق غيرهم ، وكان أعظمهم نفقة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه « 1 » . فسر النبي بذلك ودعا لهم جميعا بخير ، كما خص عثمان بدعاء لسخائه الكبير . وتسارع أهل الصدق والدين والإخلاص كل يقدم ما يقدر عليه ، وتجمع تحت قيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم أكبر جيش يتجمع له منذ بدأ جهاده العظيم من أجل العقيدة ونشر الدين كان عدد الجيش حوالي ثلاثين ألفا . وصل النبي صلّى اللّه عليه وسلم تبوك بعد رحلة شاقة وعسيرة فالمسافة طويلة - بين المدينة المنورة وتبوك حوالي سبعمائة كيلومتر - والطريق صعب ، ولكن كل شيء في سبيل اللّه يهون ، ومتى كان تحقيق الأهداف النبيلة أمرا سهلا ؟ وهل هناك شيء أنبل وأعظم من إرساء دعائم عقيدة التوحيد ، ونشر العدل والرحمة بين بني البشر ؟ . وصل النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى تبوك ليجد الروم قد انسحبوا إلى داخل الشام ، ولم يجرؤوا لا هم ولا حلفاؤهم من العرب على لقاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » ؛ لما أصابهم من الخوف والفزع من نتائج الصدام العسكري مع جيش يقوده أعظم القواد محمد بن عبد اللّه عليه الصلاة والسلام . فماذا كان موقف النبي من هذا الجيش المنسحب الفار من الميدان ؟ هذا الجيش الذي حارب المسلمين بضراوة قبل عام واحد في مؤتة ، وكاد يستأصلهم لولا عناية اللّه الذي ألهم خالد بن الوليد بوضع خطة لانسحابهم إلى المدينة . هذا الجيش الذي يفر أمام الرسول ، هو نفسه الجيش الذي كان يقوده هرقل بنفسه وانتصر به على الفرس انتصاره الحاسم قبل سنتين اثنتين . ولكنها هيبة النبوة التي أفزعت هذا الجيش وألقت الرعب في قلوب جنوده . لو أن أي قائد آخر كان في موقف النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ماذا كان سيصنع ؟ لا بد أنه كان سينتهز هذه الفرصة ، ويلاحق جيش عدوه المنسحب ويقضي عليه . ولكن

--> ( 1 ) ابن الأثير ( 2 / 277 ) . ( 2 ) ابن الأثير ( 2 / 281 ) .