عبد الشافى محمد عبد اللطيف

124

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبادة البشر للبشر أية عقبات مادية من قوة الدولة ومن نظام الحكم » « 1 » . في ضوء هذا التحديد النهائي لشكل العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب وفي ضوء ما علمناه من تحركات الروم - وهم يزعمون بأنهم مسيحيون - ضد الإسلام ينبغي أن ننظر إلى تحرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم لغزوهم في تبوك ، ثم ينبغي أن ننظر أيضا إلى تطور العلاقات بين المسلمين وبينهم بعد عهد الرسول ؛ « في عهد الخلفاء الراشدين ، وما تلاه من عهود » . أصبح الروم عقبة في طريق الإسلام ، رفضوه دينا وعقيدة ، وقاوموه ليصدوا الناس عنه ؛ فوجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ، فإذا أعطوا الجزية ، فهذا يعتبر دليلا على الاستسلام والخضوع وإلقاء السلاح وعندئذ يكف عنهم المسلمون . في ضوء هذا كله ، وبعد وصول الأخبار إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتحرك الروم ضد الإسلام والمسلمين ، بدأ العدة لمواجهتهم فيما سماه المؤرخون المسلمون بغزوة تبوك « 2 » . وقد اختلف الإعداد لهذه الغزوة كما اختلف الأسلوب فيها عما سبقها من غزوات . ففي الغزوات السابقة كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد غزو جهة ما ورّى بغيرها ليباغت أعداءه ويأخذهم على غرة ، هذا ما يعبر عنه العسكريون المعاصرون بأسلوب الإخفاء والمفاجأة . أما في غزوة تبوك فإنه أعلن عن وجهته في صراحة لخطورة العدو وبعد الشقة وهذا ما يقوله كبار المؤرخين المسلمين عن الأسلوب النبوي الكريم . يروي الطبري في تاريخه فيقول : « وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس ؛ لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ؛ ليتأهب الناس لذلك أهبته ، وأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم » « 3 » . إذن هذه غزوة لها خطرها وشأنها في مستقبل الإسلام والمسلمين ، لذلك لا بد أن يسير إليها المسلمون وهم على بينة من أمرهم . استنفر النبي صلّى اللّه عليه وسلم المسلمين وأمرهم

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن ( 10 / 170 ) . ( 2 ) يقول ياقوت عن تبوك : « تبوك بالفتح ثم الضم وواو ساكنة وكاف ، موضع بين وادي القرى والشام . . . وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة » معجم البلدان ( 2 / 14 ، 15 ) . وتبوك الآن مدينة كبيرة في شمال المملكة العربية السعودية . ( 3 ) الطبري ( 3 / 142 ) ، وانظر ابن سعد ( 2 / 165 ) ، وابن كثير ( 5 / 2 ) ، وابن الأثير ( 2 / 276 ، 277 ) .