عبد الشافى محمد عبد اللطيف
123
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وأزالت كل حرج عن المسلمين في علاقتهم مع كل الأمم ، خصوصا مع أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى . ونحن الآن في العام التاسع الهجري ، وأوشك النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يودع الأمة الوداع الأخير ، وأن يلتحق بالرفيق الأعلى ، فلا بد أن يوضح لأمته معالم طريق المستقبل ، وأن يرسم لهم أسلوب عملهم في نشر عقيدتهم ، والدفاع عنها ضد أعدائها . لذلك جاءت هذه الآيات لتحدد الشكل النهائي والحاسم في علاقات المسلمين بأهل الكتاب ، والروم من أهل الكتاب ؛ لأنهم مسيحيون ، أو يزعمون أنهم على دين المسيح . فقال تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] . وقد بينت الآية بيانا واضحا لماذا يقاتل المسلمون أهل الكتاب : أولا : لأنهم لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر . ثانيا : لأنهم لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله . ثالثا : لأنهم لا يدينون دين الحق . هذا إذن الحكم النهائي الذي يحدد العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب - يهود نصارى - « والتعديل البارز في هذه الأحكام الجديدة هو الأمر بقتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين اللّه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فلم تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلا على هذا الأساس ، أساس إعطاء الجزية ، وفي هذه الحالة تقرر لهم حقوق الذمي المعاهد ، ويقوم السلام بينهم وبين المسلمين ، فأما إذا هم اقتنعوا بالإسلام عقيدة فاعتنقوه فهم من المسلمين . إنهم لا يكرهون على اعتناق الإسلام عقيدة ، فالقاعدة الإسلامية المحكمة هي : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] ولكنهم لا يتركون على دينهم إلا إذا أعطوا الجزية ، وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا الأساس ، هذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية ، ثم لطبيعة المنهج الحركي للإسلام من الناحية الآخرى . وطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية هي عدم إمكان التعايش إلا في ظل أوضاع خاصة وشروط خاصة ، قاعدتها ألا تقوم في وجه الإعلان العام الذي يتضمنه الإسلام لتحرير الإنسان بعبادة اللّه وحده والخروج من