عبد الشافى محمد عبد اللطيف

120

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

يكن هذا صحيحا ، فالفرار لم يكن من خلق المسلمين الصادقين أبدا ولن يكون . ولكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قدر موقفهم ورفع معنوياتهم وقال : « ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء اللّه » . وهكذا أصبح جليّا أن الروم قد أعلنوها حربا شعواء على الإسلام ودولته . ولكن المسلمين سوف يلقنونهم درسا قاسيا ، وسوف يرغمون هرقل على أن يغادر الشام وإلى الأبد . وقلبه يقطر دما وهو يقول : « وداعا يا سوريا وداعا لا لقاء بعده » . * من مؤتة إلى تبوك : رأينا ما قد صنع الروم بالمسلمين في مؤتة ، حيث حاولوا استئصالهم ، لولا لطف اللّه ، الذي ألهم خالد بن الوليد بخطة الانسحاب . وقلنا لك : إن تدخل الروم في مؤتة على هذا الشكل يعتبر إعلان حرب من جانبهم على الإسلام والمسلمين . وما داموا قد أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين ، فإن جهادهم ورد عدوانهم أصبح واجبا على المسلمين وقيادتهم . وقد فتحت مؤتة عيون المسلمين أكثر فأكثر على خطر الروم . وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم دائم الرصد لأخبارهم وكل تحركاتهم ، وكان ينتظر الفرصة المناسبة لتأديبهم ولينسيهم وساوس الشيطان . ولم يكن مناسبا أن يغزو النبي صلّى اللّه عليه وسلم الروم قبل أن تذعن قريش للإسلام ، صحيح أن بين النبي وبين قريش هدنة بسبب صلح الحديبية ، ولكن لا يدرى ماذا تصنع قريش إذا علمت أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم انشغل في حرب مع الروم ؟ فقد تنتهز الفرصة وتنقض على المدينة ، وعندئذ يقع المسلمون بين عدوّين خطيرين . لذلك آثر النبي أن يؤجل الاشتباك مع الروم والذي - أصبح واجبا محتما - إلى ما بعد تصفية الحساب مع قريش . خصوصا وأن قريشا عندما علمت بهزيمة المسلمين في مؤتة أمام الروم ، فرحت جدّا ، وظنت أن في ذلك القضاء على المسلمين ، فما دام الروم قد وجهوا أنظارهم إلى المسلمين ، ورصدوا لهم هذه الأعداد الهائلة ، فإنهم سوف يريحونها من الإسلام هكذا ظنت قريش وهكذا فكرت ، ولكن خاب تفكيرها وساء ظنها : حمل هذا التفكير السقيم وهذا الظن السيئ قريشا على نقض معاهدة الحديبية - التي أشرنا إليها - استخفافا بأمر المسلمين بعد مؤتة ، ولتعيد الأمور كما كانت عليه قبل عهد الحديبية « 1 » ، ولم تكن تدري أن ذلك سوف يؤدي إلى أن تفتح مكة أبوابها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) انظر د . هيكل - حياة محمد ( ص 412 ) .