عبد الشافى محمد عبد اللطيف
121
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
كان من بنود صلح الحديبية أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه . فدخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، فلما كانت مؤتة ، وخيّل إلى قريش أن المسلمين قد قضي عليهم ، فلما اعتدت بنو بكر على خزاعة - وهم حلفاء النبي - نصرتهم قريش ولم تراع صلح الحديبية ، وبهذا تكون قد نقضت المعاهدة نقضا صريحا . ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليقبل من قريش هذا العبث بالعهود ، خصوصا في هذا الجو النفسي الذي شاع بعد مؤتة . والنبي من ناحيته وفيّ لقريش تماما بكل التزاماته نحوها ، وطبقا لما نص عليه صلح الحديبية ، حتى أنه لم ينصر بعض المسلمين الذين كانت تعذبهم قريش ؛ لأنه التزم بذلك ، وأكبر مثل على ذلك ، قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو قصة أبي بصير . ومع ذلك تنقض قريش العهد بهذه البساطة ، أليس ذلك استخفافا بالمسلمين ؟ ! لذلك عزم النبي صلّى اللّه عليه وسلم على غزو قريش ، وتلقينها درسا في احترام العهود . ولم تقو قريش على مواجهة النبي ، ففتحت مكة أبوابها وأذعنت قريش لأمر اللّه ورسوله . وضرب الرسول لهم أروع الأمثلة في العفو والتسامح ، فنسي ما صنعوه معه طوال عشرين عاما . فلما دخل البيت العتيق ، وقريش كلها في قبضته ، قال لهم : « ماذا تظنون أني فاعل بكم ؟ » قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » « 1 » . فتحت مكة في العشرين من رمضان في العام الثامن الهجري ، وأسلمت قريش وبعد أسبوعين من فتح مكة ، علم النبي في أثنائها أن هوازن تعد العدة للهجوم على المسلمين ، فقرر أن يباغتهم قبل أن يباغتوه فحدثت موقعة حنين وهزمت هوازن وحلفاؤها من ثقيف ثم حاصر النبي الطائف لإخضاع ثقيف التي تحصنت فيها ، ولكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم رفع الحصار عن الطائف ؛ لأنه كان على يقين أنه بعد فتح مكة وإسلام قريش ، فلن تقو أية قبيلة عربية على حربه ، وأن ثقيف آتية إليه طال الزمن أو قصر ، ولقد استشار النبي نوفل بن معاوية الدئلي في المقام على حصار ثقيف فقال له : « يا رسول اللّه ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فأذّن بالرحيل » « 2 » .
--> ( 1 ) ابن الأثير - الكامل ( 2 / 252 ) . ( 2 ) ابن الأثير - الكامل ( 2 / 267 ) .