محمد بن محمد ابو شهبة
639
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
النبي الرؤوف الرحيم وأما رحمته وشفقته على جميع الخلق فحدّث عنها ولا حرج ، وبحسبه شرفا أن اللّه وصفه باسمين من أسمائه فقال : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ، وقد اذاه قومه وعشيرته أشد الإيذاء ، فوضعوا الشوك في طريقه ، والقذر على بابه ، وحاولوا خنقه وقتله ، ووطئوا رأسه وهو يصلي ، ووضعوا سلا الجزور على ظهره ، ومع ذلك كان يقول : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » . ولما ذهب إلى ثقيف داعيا إلى الإسلام ، فأبوا وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى أدموا عقبه ، أرصد اللّه له في الطريق وهو راجع ملكا من ملائكته ، وعرض عليه أن يهلكهم ، فأبى وقال : « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه ولا يشرك به شيئا » « 1 » ، وفي رواية : فقال له جبريل : « صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم » . ومن المثل الرائعة في هذا ما رواه البزار بسنده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستعينه في شيء - قال عكرمة أراه قال في دم يعني دية - فأعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا ، ثم قال : « أحسنت إليك ؟ » قال الأعرابي : لا ، ولا أجملت ! ! فغضب بعض المسلمين ، وهمّوا أن يقوموا إليه ، فأشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن كفّوا ، فلما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت ، وزاده شيئا ، وقال : « أأحسنت إليك ؟ » فقال الأعرابي :
--> ( 1 ) رواه الشيخان .