محمد بن محمد ابو شهبة
640
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
نعم فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا ! ! فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنك قلت ما قلت وفي نفسي أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك » قال : نعم ، فلما كان الغد أو العشية جاء ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا الأعرابي قال ما قال ، فزدناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك » قال : نعم فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا ! ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة شردت عليه ، فاتّبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحبها : خلّوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه إليها وأخذ لها من قمام الأرض ودعاها ، حتى جاءت واستناخت ، وشدّ عليها رحلها ، واستوى عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه دخل النار « 1 » » وسند القصة وإن كان فيه راو ضعيف إلا أنه يؤخذ به في باب الفضائل . وفي الحق أن هذا الحديث فيه نور من نور النبوة ، وروعة في التمثيل لا يقدر عليها ، ولن يكون مصدرها إلا النبي صلوات اللّه وسلامه عليه ، ومع كون المثل ليس بالأمر الغريب عن البيئة العربية ، إلا أن النبي الفصيح البليغ ألبسه ثوبا قشيبا حتى بدا غاية في الروعة وغاية في التأثير ، هذا إلى ما بين الممثّل به ، والممثّل له من التطابق البديع ، والتوافق العجيب ! ! . ومن رحمته بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته المواظبة على بعض السنن كالتراويح مخافة أن تفرض عليهم ، وكراهته كثرة سؤالهم حتى لا يكون سببا في تحريم ما سكت اللّه عنه رحمة بهم ، وقد شملت رحمته المؤمن والكافر ، والصديق والعدو ، والإنسان والحيوان والطير ، ولما قالوا له : إنّ لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : « في كل كبد رطبة أجر » ونهى ، بل ( لعن من اتخذ الحيوان غرضا ) « 2 » ، وكان من رحمته أنه يميل الإناء للهرة لتشرب منه ، ومرض ديك له فقام على تمريضه ،
--> ( 1 ) الشفاء ، ج 1 ص 96 ، تفسير ابن كثير والبغوي ج 4 ص 276 ط المنار . ( 2 ) رواهما الشيخان .