محمد بن محمد ابو شهبة
623
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ولكنها لم تعمل بما أوصاها به وأخبرت بذلك عائشة ، وفي رواية عند مسلم أن التي شرب عندها العسل حفصة ، وأن اللاتي تظاهرن عائشة ، وسودة ، وصفية ، وأنه لما أخبرهن بشرب العسل عند حفصة قالت كل واحدة منهن : جرست نحله « 1 » العرفط ، وأنه لما عرضت عليه حفصة أن تسقيه عسلا مرة أخرى امتنع وقال : « لا حاجة لي به » والأول هو الأصح « 2 » ، وهو الأليق بسياق الآية . وفي الصحيحين عن عمر : أن المتظاهرتين هما عائشة وحفصة ، وقد كانت هذه المؤامرة سببا في اعتزال النبي نساءه شهرا . وفي الصحيحين أن عمر لما أخبره جاره الأنصاري أن رسول اللّه اعتزل نساءه قال : رغم أنف حفصة وعائشة ، وذهب إلى عائشة فذكّرها وحذّرها ؛ ثم ذهب إلى ابنته فوبّخها وعنّفها ، وقال لها : واللّه لقد علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يحبك ، ولولا أنا لطلقك ، فبكت أشد البكاء . ثم قصد إلى رسول اللّه في مشربة له يرقى إليها بدرج وعلى الباب غلام اسمه رباح ، فقال : يا رباح استأذن لي على رسول اللّه ، فلم يأت رباح بجواب ، فرفع صوته وقال : استأذن لي على رسول اللّه فإني أظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظنّ أني جئت من أجل حفصة ، واللّه لئن أمرني رسول اللّه بضرب عنقها لأضربن عنقها ! ! فأشار إليه الغلام : أن أذن لك ، فدخل على رسول اللّه وما زال يلاطفه حتى تبسم . ثم نظر عمر في المشربة فوجد رسول اللّه على حصير قد أثر في جنبه ، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف ، وفيها قرظ مجموع ، وأهب « 3 » معلّقة ، وفرق من شعير ، فبكى فقال رسول اللّه : « ما يبكيك يا عمر ؟ » فذكر كسرى
--> ( 1 ) جرست : أكلت . ( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووي ج 1 ص 73 - 93 ، صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة التحريم . ( 3 ) القرظ : يدبغ به الجلد . أهب بضم الهمزة والهاء وبفتحها جمع إهاب : وهو الجلد .