محمد بن محمد ابو شهبة
622
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فقام أبو بكر وعمر إلى ابنتيهما يزجرانهما ويقولان : لا تسألن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ليس عنده ، فتعهدتا بذلك ، وبعد مضي مدة الاعتزال أنزل اللّه ايتي التخيير ، قال عز شأنه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً « 1 » . فبدأ رسول اللّه بعائشة وقال : « يا عائشة ، إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألاتعجلي فيه حتى تستشيري أبويك » قالت : وما هو يا رسول اللّه ؟ فتلا عليها الآيتين . قالت : أفيك يا رسول اللّه أستشير أبوي ؟ ! بل أختار اللّه ورسوله والدار الآخرة ، وأسألك ألاتخيّر امرأة من نسائك بالذي قلت ، فأبى وقال : « لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها . إن اللّه لم يبعثني متعنتا ، ولكن بعثني معلّما ميسرا » ! ! « 2 » ، ثم خيّرهنّ فكلهن اخترن اللّه ورسوله ، رضي اللّه عنهن . وحادثة أخرى ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا صلّى العصر دار على نسائه يلاطفهن ويؤانسهن بالمحادثة ، وربما يطيل المكث عند بعضهن ، فتأخذ الغيرة بنفوس بعضهن . فدخل ذات يوم على السيدة زينب بنت جحش ، فمكث عندها وشرب عسلا ، فتواطأت عائشة وحفصة أن أيتنا دخل عليها رسول اللّه فلتقل له : إني أجد منك ريح مغافير « 3 » - وكان النبي يكره الرائحة الخبيثة - فدخل على حفصة فقالت له ذلك ، فقال : « بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود إليه ، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا » « 4 » .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآيتان 28 - 29 . ( 2 ) فتح الباري ج 8 ص 422 - 424 ، صحيح مسلم - كتاب الطلاق - باب أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية . ( 3 ) مغافير : جمع مغفور بضم الميم وهو صبغ له رائحة كريهة ، وينضحه شجر يسمى : العرفط ، بضم العين والفاء . ( 4 ) رواه البخاري ومسلم .