محمد بن محمد ابو شهبة
602
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
اخر حتى يكاد يخفي معالمه ، وإنما هي صفات وزنت بميزان عادل لا يعول ، وأخلاق حسبت بحسبان دقيق لا يضل ، هداية في حكمة ، وعلم في فقه ، ورحمة في غير ضعف ، وعدل في غير عنف ، وحزم في حلم ، وصرامة في رحمة ، وغضب للّه في غير جور ولا بطش ، وكرم في غير إسراف ، ودقة في غير فسولة ؛ ورأفة في غير تفريط ، وعقل كبير في سعة قلب ، وجد في غير هزل ، ومزح في غير باطل ، وفصاحة في بلاغة ، وكلم جوامع في حكم نوابغ ، ورجولة في مروءة ، وفحولة في عفة . وهكذا لا يمكن لمنصف أن يجد في أخلاقه مغمزا ، أو في سلوكه مطعنا ، وهذا المعنى لا نجده في بشر أيا كان ، وهذا هو سر الإعجاز في أخلاق هذا النبي العظيم ، وهذا البشر العظيم ! ! الفضيلة الإنسانية في ذروة كمالها في نبينا محمد يقول الحكماء : إن الفضيلة وسط بين رذيلتين : فالشجاعة وسط بين الجبن وبين التهور . والقصد في الإنفاق وسط بين التقتير والإسراف . والعدل وسط بين البغي والظلم ، وبين هضم الحق والتفريط فيه . والعفة وسط بين انتهاك حرمات الغير وبين حرمان النفس من متعتها المشروعة . والحكمة وسط بين الإسراف في استعمال العقل وتعدي أموره وبين البلادة والغافلة ، وهكذا . والفضيلة من الأمور التي تواطأت عليها العقول السليمة ، ولا تختلف باختلاف الأشخاص والعصور . فالفضيلة لا يمكن أن تكون رذيلة ، ولا تكون فضيلة عند إنسان ورذيلة عند اخر ، وهذا أمر لا أعلم أحدا خالف فيه ، إلا ما كان من السوفسطائيين « 1 » ومن على شاكلتهم كالوجوديين اليوم ، فإنهم يخضعون الحق والفضيلة لأهوائهم ، وشهوات أنفسهم .
--> ( 1 ) السوفسطائيون : قوم وجدوا في بلاد اليونان قديما ، لا يؤمنون بأن حقائق الأشياء ثابتة ، فالحق في نظرهم ما يراه الواحد حقا ، ولو كان في الواقع باطلا ، والباطل ما يراه باطلا ولو كان في الواقع حقا . وقريب من هؤلاء الوجوديون اليوم فليس للفضيلة والحق معيار .