محمد بن محمد ابو شهبة
603
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
والناس يتفاضلون ويتمايزون بقدر ما يكون عندهم من الفضائل والأخلاق الكريمة ، والفضيلة لا تختص بأناس دون أناس ، ولا بجنس دون جنس ، وإنما هي أمر مشاع بين البشر ، يأخذ كل واحد منها بحسب فطرته واستعداده ، وتربيته ونشأته ، إلا أن هذه الفضيلة الإنسانية توجد أوفى ما تكون وأكمل ما تكون في أنبياء اللّه ورسله ، فقد فطرهم اللّه سبحانه على أكمل الصفات ، وخير الخلال ، إلا أن بعض هذه الفضائل قد تكون عند نبي أوفى منها عند اخر ، ومن ثم صارت هذه الصفات البالغة الكمال ، عند بعض الأنبياء بمنزلة الخصائص ، فالحلم والتسامح عند الخليل إبراهيم وعيسى أكثر منهما عند نوح وموسى ، والشدة والأخذ بالعقوبة ، عند نوح وموسى ، أعظم منهما عند إبراهيم وعيسى عليهم جميعا الصلاة والسلام . وكذلك فضلاء البشر كصحابة الأنبياء وحواريّيهم ، ولا سيما صحابة سيدنا محمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، تقوى بعض الفضائل عند بعضهم حتى تصير كأنها خصوصية ، فمنهم الذي يغلب عليه الحلم والرحمة والشفقة كالصدّيق رضي اللّه عنه ، ومنهم من يغلب عليه الشدة والصرامة في الحق ، حتى مع أحب الناس إليه ، كالفاروق عمر رضي اللّه عنه ، ومنهم من يغلب عليه الحياء كالسيّد الحييّ عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فيفرط في حق نفسه ، ومنهم من تغلب عليه الشجاعة والمصارحة بالحق وعدم المداهنة ، حتى ولو كان في ذلك تثبيت أمر الخلافة كسيدنا علي رضي اللّه عنه ، ومنهم من يغلب عليه جانب الدهاء والسياسة ، ومعرفة كيف تسترق النفوس كسيدنا معاوية رضي اللّه عنه . وليس معنى هذا أن ما عدا هذه الصفات التي برزوا فيها ليس لهم فيما عداها حظ ، كلا وحاشا ، وليس أدل على هذا من الصدّيق الأكبر رضي اللّه عنه ، فقد كانت سمته الغالبة في قصة أسارى بدر وغيرها الرحمة والشفقة ، ومع هذا فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى ، وارتد بعض العرب كان أشجع من الشجاعة ، وأشد من الشدة في محاربتهم ، وحتى قال للفاروق وقد ناقشه في قتال مانعي الزكاة : أجبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام ؟ ! ! والفاروق عمر - وهو الشديد القوي في الحق - ما انتقم لنفسه ، وكانت