محمد بن محمد ابو شهبة

594

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وكان اخر ما تكلم به صلى اللّه عليه وسلم « لا يبقى بجزيرة العرب دينان » وقوله : « الصلاة وما ملكت أيمانكم » حتى جعل يغرغر بها صدره ، وما يفصح بها لسانه . فلما اشتد الضحى ، فاضت أطهر روح في الدنيا من جسدها ، وصعدت إلى بارئها راضية مرضية ، وخرج أكرم إنسان على اللّه في هذا الوجود من الدنيا كما جاء إليها ، ولم يترك مالا ولا دينارا ولا درهما ، ولا ولدا إلا فاطمة رضي اللّه عنها ، وإنما ترك هداية وإيمانا ، وشريعة عامة خالدة ، وميراثا روحيا عظيما ، وأمة هي خير الأمم وأوسطها . وكان ذلك يوم الاثنين لهلال ربيع الأول ، وقيل لليوم الثاني منه ، وقيل لليوم الثاني عشر منه من العام الحادي عشر للهجرة . والأول هو الأرجح ، ويليه الثاني ، وأما الثالث فعليه مأخذ وإن اختاره ابن إسحاق والواقدي وابن سعد « 1 » . هول الفاجعة وشاع الخبر في المدينة ، فإذا لهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج بالإحرام ، وأذهل النبأ سيدنا عمر فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات ، ويقول : ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم ، واللّه ليرجعنّ رسول اللّه كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات . خطبة الصديق وأقبل أبو بكر من السّنح على فرس له لما بلغه الخبر ، فوجد عمر يكلم الناس ، وينذر ويتوعد ، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مسجّى في البيت ببرد حبرة « 2 » ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه يقبله ، ويقول : ( ما أطيبك حيا وميتا ) ، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم فقال : اجلس

--> ( 1 ) فتح الباري ، ج 8 ص 106 ؛ والروض الأنف ، ج 2 ص 372 . ( 2 ) نوع من ثياب اليمن .