محمد بن محمد ابو شهبة
595
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
يا عمر ، وهو ماض في كلامه ، وفي ثورة غضبه ، فقام أبو بكر في الناس خطيبا فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : ( أما بعد : فإن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت ، ثم تلا هذه الآية : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) . قال عمر : فو اللّه ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ، ما تحملني قدماي ، وعلمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد مات « 1 » . وكذلك استفاق الناس من غشيتهم لما سمعوا أبا بكر يتلوها . في سقيفة « 2 » بني ساعدة في هذه الغمرة من الأسى والحزن ، كاد أن يضطرب أمر المسلمين في مسألة الخلافة ، فالأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، وانضم إليه أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل ، فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقا حتى أتيا السقيفة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين أيديهم رجل مزمّل ، فإذا هو سعد بن عبادة به وجع ، فلما جلسوا قام خطيب الأنصار فأثنى على اللّه بما هو أهله ثم قال : ( أما بعد : فنحن أنصار اللّه ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا ، وقد دفّت منكم دافّة ، تريدون أن تخزلونا من أصلنا ، وتحصنونا من الأمر ) . فلما سكت أراد أن يتكلم عمر وكان قد زوّر « 3 » في نفسه مقالة أعجبته ، ولكن الصدّيق منعه لما يعلم فيه من حدّة قد لا تفيد في هذا الموقف ، وقال له : على رسلك يا عمر ، ثم قام فتكلم ، قال الفاروق : فو اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل . قال :
--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب مرض النبي صلى اللّه عليه وسلم ووفاته . ( 2 ) مكان عليه ظلة . ( 3 ) أعد وهيأ .