محمد بن محمد ابو شهبة

593

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

صحوة الموت وفي صبيحة الاثنين والصدّيق أبو بكر يصلّي بالناس الفجر كشف النبي ستر الحجرة ، فنظر إليهم وهو قائم على حال حسنة ، ثم تبسّم لما رأى من اجتماعهم على رجل واحد ، وألفتهم وتاخيهم ، فنكص أبو بكر على عقبيه ظنا أن رسول اللّه يريد أن يخرج للصلاة ، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة ، وأرخى الستر فكان هذا اخر عهده بالمسلمين . وفرح الصحابة غاية الفرح ، ظنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبلّ من مرضه ، وما علموا أنها الصحوة التي تسبق الموت ، وانصرف بعضهم إلى عمله ، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال : ما أرى رسول اللّه إلا قد أقلع عنه الوجع ، وهذا يوم بنت خارجة - إحدى زوجتيه - وكانت تسكن بالسّنح « 1 » ، فركب على فرسه ، وذهب إلى منزله . في الرفيق الأعلى واشتدت سكرات الموت بالنبي ، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، فعرف أنه يدعو له ، وأخذت السيدة عائشة رسول اللّه وأوسدته إلى صدرها بين سحرها « 2 » ونحرها ، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك ، فجعل رسول اللّه ينظر إليه ، فقالت عائشة : اخذه لك ، فأشار برأسه أن نعم ، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه ، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك ، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله : « في الرفيق الأعلى » « 3 » .

--> ( 1 ) السنح بضم السين : مكان خارج المدينة كان للصديق مال فيه وبيت . ( 2 ) السحر : الرئة . والنحر : الثغرة التي في أسفل العنق . ( 3 ) الرفيق الأعلى : هم الذين ذكرهم اللّه في قوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . وقيل هم الملائكة ، وقيل هو اللّه جل جلاله ، وهو من أسماء اللّه الحسنى وصفاته ، يعني في كنفه ورحمته .