محمد بن محمد ابو شهبة
592
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك » ثم قال : « أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله ، وإنه لخليق للإمارة ، وإن كان أبوه لخليقا لها » . وكان مما قاله : « ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد « 1 » . ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه . ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد . ولا يقولن قائل : أخاف الشحناء من قبل رسول اللّه ، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي ، وإن أحبكم إليّ من أخذ حقا إن كان له عليّ ، أو حلّلني فلقيت اللّه عز وجل وليس لأحد عندي مظلمة » « 2 » . ألا فلتشهد الدنيا إلى أي حد وصل عدل الحاكم مع المحكومين ، وإلى أي حد بلغت المساواة ، وبلغ الاعتراف بالجميل لذويه ، والإقرار بالفضل لأهله ، وهل بعد هذا يدع مدع ، أو يزعم زاعم أن أحدا أحق بالخلافة من أبي بكر . إن للموت لسكرات ثم اشتدت الحمى بعد برسول اللّه حتى قال له أبو سعيد الخدري : واللّه لا أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك ، فيجيبه : « إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء ، كما يضاعف لنا الأجر » . وفي هذه الشدة كان يقول : « اللهم أعنّي على سكرات الموت » وكان كلما أفاق من غشيته قال : « اللهم الرفيق الأعلى » وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثهم قبل ذلك أن النبي لا يموت حتى يخيّر بين الدنيا والآخرة ، قالت عائشة : ( فلما سمعته يقول ذلك ، وقد أدركته بحة علمت أنه اختار الآخرة على الدنيا ) « 3 » .
--> ( 1 ) فليستقد : فليقتص . ( 2 ) البداية والنهاية ج 5 ص 230 - 231 . ( 3 ) رواه البخاري .