محمد بن محمد ابو شهبة
567
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
حجّة الوداع ها هي الوفود قد جاءت تترى من كل ناحية ، وأضحت الجزيرة العربية مؤمنة موحّدة ، وها هي دعائم الإسلام وشرائعه قد استقرت وبيّنها النبي بقوله وعمله ، ولم يبق من أصول الإسلام ما هو في حاجة إلى البيان القولي والعملي من النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا الحج ، وها هو الصديق قد مهّد بالحج سنة تسع للنبي أن يحج بالناس ليوقفهم على مناسكه كما شرعه اللّه من لدن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ولينفي عن الحج ما شابه من بدع ومستحدثات ، وإنا لنلمس هذا المعنى جليا في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كونوا على مشاعركم ، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم » « 1 » . وقوله في هذه الحجة وهو يرمي جمرة العقبة : « لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه » رواه مسلم . وتسمى هذه الحجة حجة الوداع ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ودّع المسلمين بهذا القول ، وحجة الإسلام لأنه لم يحج بعد الهجرة غيرها ، وأما قبل الهجرة فقد حجّ مرارا قبل النبوة وبعدها ، وحجة البلاغ لأن النبي بلّغ الناس شرع اللّه في الحج قولا وعملا ، وذكّرهم بالمهم من شرائع الإسلام ، وحقوق الإنسان ، وأشهد اللّه والناس على ذلك . الأذان بالحج ولم يكد يحل شهر ذي القعدة من هذا العام حتى أخذ رسول اللّه في التجهز للحج ، وأذّن في الناس بذلك ، وأمرهم بالتجهز ، فصادفت الدعوة هوى في
--> ( 1 ) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجة .