محمد بن محمد ابو شهبة
568
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
النفوس ، فجاء الناس من كل فج وصوب ، من القرى والبوادي ، والسهل والجبل ، والوديان والصحاري ، مشاة وركبانا ، تحدوهم الرغبة الصادقة في حج بيت اللّه مهوى القلوب ، ومثابة للناس ، والحرص على أن يحظوا بالشرف الرفيع شرف مصاحبة الرسول ، والنظر إليه ، والسماع منه ، وضرب حول المدينة الخيام لمائة ألف أو يزيدون ، وحّد بينهم الإسلام ، وربط قلوبهم على المحبة والإخاء ، بعد أن كانوا أوزاعا متفرقين ، وأعداء متنابذين . الخروج للحج وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الألوف المؤلفة بعد أن صلى الظهر بالمدينة أربعا ، وقد استخلف عليها أبا دجانة ، وقيل : سباع بن عرفطة ، حتى وصل إلى ذي الحليفة « 1 » ، فصلّى العصر بها ركعتين ثم بات بها ، فلما أصبح اغتسل للإحرام ، وتطيّب ولبّد « 2 » رأسه ، وصلى ركعتين . وكان رسول اللّه قد ساق معه الهدي ، قيل مائة ، وقيل دون ذلك ، فأشعر واحدة منها وقلّدها نعلين ، وتولى إشعار الباقي وتقليده غيره ، ثم ركب ناقته ( القصواء ) وأهلّ بالحج قائلا : « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك » ، ولما أشرفت ناقته على البيداء أدخل العمرة على الحج قائلا : « لبيك بعمرة وحجة » ، وأما المسلمون فمنهم من أحرم بحج ، ومنهم من أحرم بعمرة ، ومنهم من أحرم بعمرة وحج معا ، كما روي في الصحيحين . وسار الرسول والمسلمون وهم يلبون ويكبرون ويهللون ، لا ينفكون عن ذلك كلما علوا شرفا - مكانا عاليا - أو هبطوا واديا ، وتجاوبت الأصداء بالتوحيد والتهليل ، وشهدت الصحراء هذا المشهد الفريد الذي لم تشهد له مثيلا من قبل ، ولن تشهد له مثالا من بعد .
--> ( 1 ) هو موضع على ستة أميال من المدينة وهو ميقات أهلها ، ويقال له الان : أبيار علي . ( 2 ) التلبيد : دهن الرأس بشيء لزج كصمغ مثلا ، حتى لا يتشعث ولا يتولّد به هوام .