محمد بن محمد ابو شهبة
523
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
العين ، وهم الذين يعتذرون بالباطل ، وهم جماعة من الأعراب جاؤوا يعتذرون ولا عذر لهم ، وقرأ يعقوب ومجاهد : المعذرون بالتخفيف ، وهم المبالغون في العذر ، يقال في المثل : « لقد أعذر من أنذر » قال ابن إسحاق : إنهم نفر من بني غفار وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : يعني المنافقين . قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان سيئا ، قوم تكلّفوا عذرا بالباطل ، وقوم تخلّفوا من غير تكلف عذر ، فقعدوا جرأة على اللّه تعالى ، فأوعدهم اللّه بقوله : سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . ثم بيّن اللّه تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد عن القتال بسببها ، سواء ما كان منها لازما لا ينفك عن صاحبه ، أو عارضا ، فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ ، وَلا عَلَى الْمَرْضى ، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ : طريق بالعقوبة والمؤاخذة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ : بهم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ لتوفر لهم الظهر والنفقة قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ : وهم البكاؤون كما أسلفنا . وفي الصحيحين من حديث أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : وهو راجع من تبوك : « إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا وهم معكم » قالوا وهم بالمدينة ؟ قال : « نعم ، حبسهم العذر » إِنَّمَا السَّبِيلُ : الحجة بالعقوبة عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ : النساء جمع خالفة وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ : بسوء اختيارهم فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ : النافع من الضار . ثم أعلم اللّه نبيه بأنه عند رجوعه إلى المدينة سيأتي المنافقون المتخلّفون يعتذرون ، وأوصاه بأن لا يصدقهم فقال : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ، قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ : لن نصدقكم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ فيما سلف وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ : فيما يستقبل ، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ