محمد بن محمد ابو شهبة

514

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض ، فما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فقد استكانا وقعدا في بيوتهما ، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، واتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه ، فأسارقه النظر « 1 » ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض . حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت « 2 » جدار حائط - بستان - أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحبّ الناس إلي - فسلمت عليه ، فو اللّه ما ردّ السلام ، فقلت : يا أبا قتادة أنشدك اللّه هل تعلمني أحب اللّه ورسوله ؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته فقال : اللّه ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي . قال : وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط « 3 » أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : ( أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ) فقلت : وهذا أيضا من البلاء ، فتيمّمت بها التنور - الفرن - فسجرته بها . فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك ،

--> ( 1 ) أنظر إليه خلسة . ( 2 ) أي : علا عليه ودخل . ( 3 ) جيل من الناس يسكنون سواد العراق .