محمد بن محمد ابو شهبة
469
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
التقاء الجيشين وكان مالك بن عوف قد سبق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى حنين ، فأعدوا أنفسهم ، وكمنوا في مضايق الوادي وأحنائه ، وأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أصحابه حتى نزلوا بالوادي في عماية الصبح ، وإنهم لكذلك إذ شدت عليهم قبائل هوازن وثقيف شدة رجل واحد ، وخرج من كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه ، وأمطروهم بالسهام ، فاختلط أمر المسلمين وأذهلتهم المفاجأة ، فلووا أعنة خيلهم وأزمة إبلهم متقهقرين لا يلوون على أحد حتى وصلت فلول المنهزمين إلى مكة . ثبات الرسول ورأى رسول اللّه الجيش على كثرته قد اختل نظامه ، واضطرب أمره ، وولّى الكثيرون الأدبار ، فماذا يصنع ؟ إنه ليعلم أنه رسول اللّه وأنه ناصره ، وأنه البطل الذي لم يعرف عنه الفرار قط ، فعزم على الثبات ولو أن يكون واحده ، وثبت رسول اللّه ، وصار يركض بغلته البيضاء ركضا في نحر العدو « 1 » ، والعباس عم الرسول اخذ بلجامها يكفها به إرادة ألاتسرع وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول اخذ بركابه ينافح عنه ، ورسول اللّه ينادي : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » « 2 » وكان من دعائه في هذا اليوم : « اللهم أنزل نصرك ، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض بعد اليوم » .
--> ( 1 ) قال الحافظ في الفتح : ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك « أيلة » ، لأن ذلك كان في تبوك ، وغزوة حنين كانت قبلها . وقد وقع في مسلم من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة - بضم النون بعدها فاء خفيفة ثم مثلاثة - وهذا هو الصحيح . وذكر أبو الحسين بن عيدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين « دلدل » وكانت شهباء أهداها له المقوقس . وأن التي أهداها له « فروة » يقال لها « فضة » ذكر ذلك ابن سعد ، وذكر عكسه . والصحيح ما في مسلم ( فتح الباري ، ج 6 ص 57 ) وفروة كان عاملا للروم على بلاد « معان » وما جاورها من بلاد الشام . ( 2 ) انتسب إلى جده لأنه كان أشهر وأذكر عند العرب . أما أبوه فقد مات وهو شاب .