محمد بن محمد ابو شهبة

461

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فهو امن . . . » ، فإن ذلك لا يسمّى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال ، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة والسير أن قريشا لم يلتزموا ذلك ، بل استعدوا للقتال ، وجمعوا أوباش القبائل كما في حديث مسلم ، وإن كان المراد بالصلح وقوع عقد بين النبي وبينهم فهذا لم ينقل قط . 2 - وأما عدم القسمة بين الغانمين ، فإنها لا تستلزم عدم العنوة ، فقد تفتح البلد عنوة ، ويمن الإمام على أهلها ، ويترك لهم دورهم ، لأن قسمة الأرض المغنومة بين الغانمين ليس متفقا عليها بل الخلاف ثابت بين الصحابة فمن بعدهم ، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة فلم تقسم ، وذلك في زمن عمر وعثمان ، مع وجود أكثر الصحابة ، وقد زادت مكة على ذلك بأمر يمكن أن تكون مختصة به دون بقية البلاد ، وهي أنها دار النسكين - الحج والعمرة - ومتعبد الخلق ، وقد جعلها اللّه تعالى حرما امنا سواء العاكف فيه والباد . وجنحت طائفة منهم الإمام الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة ، لما وقع بينهم وبين خالد وجيشه من قتال ، وإن كانت دارت عليهم الدائرة ، وبعضها وقع صلحا . وقد قرر ذلك الإمام الحاكم في « الإكليل » . والحق أن الراجح والصحيح أن فتحها كان عنوة ، وبقوة السلاح ، ولو أمكنهم أن يقاتلوا أيضا الجيش الذي كان فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم لفعلوا ، وقد ناوشوا جيش خالد ، ولكنهم لم يلبثوا أن هزموا واستسلموا ، ولكن النبي صلى اللّه عليه وسلم للاعتبارات التي ذكرناها ، وتأليفا لقلوب من لم يدخل منهم في الإسلام يوم الفتح عاملهم معاملة من فتحت بلدهم بأمان وصلح « 1 » ، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام .

--> ( 1 ) شرح النووي على صحيح مسلم ، ج 12 ص 130 ، 131 ؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ج 8 ص 9 ، 10 .