محمد بن محمد ابو شهبة

408

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فتحله حتى يتوضأ ويصلي ، ثم يرتبط حتى نزلت توبته من السماء في قول اللّه تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » . فتتابع إليه الناس يبشرونه بتوبة اللّه عليه ، وأرادوا أن يحلوه فأبى وقال : لا يحلّني إلا رسول اللّه ، فلما خرج الرسول إلى صلاة الفجر حلّه من رباطه ، ولم يكتف أبو لبابة بما صنع بنفسه وقال : يا رسول اللّه إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي كله ، فقال النبي : « يجزيك الثلث » فتصدق به . وإن لنا هنا لوقفة ترينا مبلغ قوة الإيمان ، وتذكر القلب ، ويقظة الضمير من صحابة رسول اللّه ، الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ، وسرعان ما يتوبون ، ومبلغ ما وصل إليه المجتمع الإسلامي حينئذ من حياء من المعاصي والرذائل ، وتقدير للقيم الخلقية ، والمعاني الروحية ، واستهانة بالنفس والولد والمال في سبيل رضاء اللّه ورسوله ، وأن هذا المجتمع لم يصل إليه أي مجتمع متحضر إلى وقتنا هذا . نزول بني قريظة على حكم رسول اللّه فلما لم ير بنو قريظة فائدة من تحصنهم ، وأنهم لا ناصر لهم من دون اللّه ، عرضوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعاملهم معاملة بني النضير ، فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه ففعلوا ، فأمر برجالهم فكتفوا ، ثم سعى إلى رسول اللّه رجال من الأوس راجين أن يعاملهم معاملة بني قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج ، فقال لهم السيد الحكيم : « ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم » ؟ فقالوا : بلى ، فاختاروا سعد بن معاذ - وكان في خيمة في المسجد النبوي معدة لمعالجة الجرحى وتمريضهم بسبب سهم أصيب به في الخندق - فأرسل رسول اللّه في طلبه ، فجاء

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 4 ص 212 . والآية هي 102 من سورة التوبة .