محمد بن محمد ابو شهبة
191
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم » . وفي هذا نزل قول اللّه تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » . الرسول يحمس أصحابه وصار النبي يحمس المسلمين ، وينفخ فيهم من روحه وقوة إيمانه ، ويحثهم على الصبر والثبات في هذه المواطن ، وابتدع طريقة تثير الحمية ، وتدعو إلى الاستبسال في القتال ، فقد أخذ بسيف في يده وقال : « من يأخذ هذا السيف بحقه » ؟ فأحجم القوم ، ثم كرر الكلمة فقام رجال فأمسكه عنهم ، فقام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فقال : وما حقه يا رسول اللّه ؟ قال : « أن تضرب به العدو حتى ينحني » ، قال : أنا اخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم أنه سيقاتل ، فأخرج عصابته تلك فاعتصب بها ، ثم جعل يتبختر بين الصفّين فقال رسول اللّه : « إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في مثل هذا الموطن » . جيش قريش وعبّأت قريش جيشها وتصافّوا ، وكان معهم مائتا فرس قد جنّبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل ، وعلى المشاة صفوان بن أمية ، وكان حامل لوائهم طلحة بن عثمان من بني عبد الدار ، وقال أبو سفيان لأصحاب اللواء يحمّسهم ويستثير حميتهم : ( يا بني عبد الدار ، قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنّما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا وإما أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه ) ، فهمّوا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلم إليك لواءنا ؟ ! غدا إذا التقينا ترى كيف نصنع ؟ وهذا ما أراد أبو سفيان . وقامت هند امرأة أبي سفيان في نساء من قريش وهن يتجوّلن بين الصفوف ، ويضربن بالدفوف ، ويحرّضن على القتال ويقلن : ويها بني عبد الدار * ويها حماة الأدبار ضربا بكل بتّار « 2 »
--> ( 1 ) الآية 121 من سورة آل عمران . ( 2 ) ويها : كلمة تحريض وحث على القتال . حماة الأدبار : الذين يحمون أعقاب الناس . البتّار : السيف القاطع .