محمد بن محمد ابو شهبة
175
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
حتى لا يقوم ضد النبي خطيبا ، وقوله هذه المقالة : « لا أمثّل فيمثّل اللّه بي وإن كنت نبيا » ! ! وفي موقفه لما سمع رثاء قتيلة لأخيها النضر بن الحارث وقوله : « لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه » . 5 - مواهب النبي صلى اللّه عليه وسلم السياسية : هذه المواهب التي تفجّر بها القلب المستنير الذي أشرق بالإيمان ، وامتلأ بالفيوضات الإلهية والتجليات الربانية التي أفاض اللّه بها عليه ، والعقل الكبير الذي تربّى على التأمل والنظر في الكون ، وترعرع في حياطة اللّه ورعايته ، وتمرّس بآيات الوحي والحكمة ، فوسع العقول جميعا ، ولو وزنت به العقول كلها لرجحها . وإنا لنلمس هذه المواهب في استشارة أصحابه لمّا ترجّح جانب القتال بخروج جيش قريش ، فقد كان هذا بمثابة اختبار لإيمان القوم ، وتعرّف مبلغ استعدادهم لنصرة الإسلام خارج المدينة . وقد نجحوا في هذا الاختبار أيما نجاح ، وأبانوا بما قالوا عن معدنهم الأصيل تجاه نبيهم محمد ، الذي يختلف عن معدن بني إسرائيل معدن الجبن والخور والنذلة تجاه نبيهم موسى . كما نلمس هذا أيضا حين بدأت المبارزة ، فقد أخرج النبي - كما رجّحنا - للثلاثة القرشيين ثلاثة من ألصق الناس به وذوي قرباه : اثنين من بني هاشم وواحدا من بني المطّلب ، وبنو هاشم والمطّلب سواء في الجاهلية والإسلام ، وذلك ليكون إيذانا على رؤوس الأشهاد بأن أقرباء النبي الأقربين سيكونون في مقدمة المسلمين - مهاجرين وأنصارا - تضحية بالنفس ، وتفدية للرسول والإسلام ، وإنه لموقف معبّر دونه الخطب والكلام . ونلمس هذه الموهبة الفائقة في موقف يعتبر من أحرج المواقف بين رأيين متعارضين ، وكل من صاحبي الرأيين يعتبر وزير صدق للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وانحاز إلى رأيه كثيرون ، وذلك حينما استشار أصحابه في الأسرى ، فقد رأى الصدّيق الفداء ، ورأى الفاروق القتل ، ودخل النبي بيته وفكر في الأمر ، فرأى بما جبل عليه من الرحمة والتسامح رأي الصدّيق ، ولكن الرأي المعارض رأي عمر ،