محمد بن محمد ابو شهبة

176

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وهو من هو في الإسلام ، وصاحب الموافقات ، وربما يكون في هذا غضاضة على عمر . وفكّر الرسول ثم فكر ، فتفتّق العقل الكبير عن هذا التصرف الحازم البصير ، فخرج وأثنى على كلا الرجلين ثناء نابعا من طبيعة الرجلين ، لا تحيّف فيه على أحدهما ، ولا هضم لحقه ، ولا محاباة ولا مداهنة ، فشبّه الصديق بنبيين رحيمين : إبراهيم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وشبه الفاروق بنبيين اشتد غضبهما على قومهما ، بعد أن لم يدعا في قوس الصبر منزعا ، وهما : نوح وموسى عليهما الصلاة والسلام ، ثم رأى رأي الصدّيق ، وبهذه التقدمة البارعة قضى الرسول على ما عسى أن يداخل نفس الفاروق ، فإذا كان الرسول لم يأخذ برأيه فبحسبه شرفا وتقديرا أن يكون شبيها بنبيين من أولي العزم من الرسل ، وإنها لأمنية تنقطع دونها الأماني ، وحلم ترنو إليه أي نفس مهما بلغت من أصالة الرأي ، وحسن التدبير ، والاقتناع بما رأت . ومن هذه السياسة الحكيمة إسهام النبي لكل من لم يحضر الموقعة لتخلّفه في مصلحة عامة أو خاصة ، وكذلك إسهامه لمن استشهدوا في بدر وإعطاء حقوقهم لورثتهم وذويهم ، وبذلك كان للإسلام السبق في تكريم الشهداء ورعاية أسرهم وأبنائهم من قرابة أربعة عشر قرنا . 6 - عدالة النبي التامة في أخذ الفداء من القادرين عليه ، وعدم محاباته لذوي قرباه ، بل كان الأمر على خلاف ذلك ، فقد أغلا الفداء على عمه العباس ، ولم يقبل أن يتنازل له أخواله من الأنصار عن شيء منه ، وترك أمر صهره إلى خيار المسلمين ، فمنّوا عليه لمّا رأوا زوجته السيدة زينب أرسلت في فدائه بقلادتها الغالية التي تحمل في نفسها أعظم ذكرى لأمها السيدة خديجة ، وفضل خديجة على الإسلام مذكور مشكور ، وقد دلّل المسلمون بصنيعهم هذا على حسّ مرهف ، وشعور كريم ، وإنسانية فائقة ، وعلى حين فعل النبي هذا مع ذوي قرباه منّ على أناس لا يمتون إليه بصلة القربى لاعتبارات تدعو إلى ذلك .