محمد بن محمد ابو شهبة

163

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ومن الأسرى : وهب بن عمير بن وهب الجمحي ، وكان أبوه شيطانا من شياطين قريش ، شديد الإيذاء للرسول وأصحابه بمكة ، جلس يوما بعد الحرب مع صفوان بن أمية يتذاكران مصاب بدر ، فقال عمير : واللّه لولا دين علي ليس عندي قضاؤه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد فأقتله ، فإن ابني أسير عنده . فاغتنمها صفوان بن أمية فقال له : علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم ، فقال له عمير : فاكتم علي ، قال : سأفعل . ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له ، وسمّ ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، وما أكرمهم اللّه به ، إذ نظر إلى عمير بن وهب وقد أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا سيفه ، فقال : هذا عدو اللّه عمير بن وهب ما جاء إلا لشر ، وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ، ثم دخل على رسول اللّه فأخبره فقال له : « أدخله علي » . فأقبل إليه عمر فأخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها ، وقال لمن كان معه من الأنصار : أدخلوه على رسول اللّه ، فلما راه وعمر اخذ بحمالة سيفه في عنقه قال : « أرسله يا عمر ، أدن يا عمير » فدنا فقال له : « فما جاء بك يا عمير » ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا فيه . قال : « فما بال السيف في عنقك » ؟ قال : قبّحها اللّه من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟ قال : « اصدقني ما الذي جئت له » ؟ قال : ما جئت إلا لذلك ، قال : « بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن تقتلني ، واللّه حائل بينك وبين ذلك » . فقال عمير : أشهد أنك رسول اللّه ! ! قد كنا يا رسول اللّه نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فو اللّه إني لأعلم ما أتاك به إلا اللّه ، فالحمد للّه الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القران ، وأطلقوا أسيره » ، ففعلوا .