محمد بن محمد ابو شهبة

161

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

رجالا من الأنصار « 1 » استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا « 2 » العباس فداءه ، فقال : « لا واللّه ، لا تذرون له درهما » « 3 » . وهذا غاية العدل والإنصاف في المعاملة ، فرسول اللّه مع رحمته بعمه وشفقته عليه وتخوفه أن يقتل وهو يرجى من ورائه للإسلام خير كثير ، تأبى عليه نفسه السامية أن يفرّق بينه وبين الأسارى في الفداء ، أو أن يقبل أن يمن عليه الأنصار خشية أن يكون عملهم هذا لمكانه من رسول اللّه وقرابته ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم منّ على بعض الأسارى دون فداء ، وهذا ليس بعجيب ممن كان خلقه القران . ومن الأسرى : أبو عزّة الشاعر ، كان فقيرا ذا عيال ، فقال : يا رسول اللّه ، لقد عرفت ما لي من مال ، وإني لذو حاجة وذو عيال ، فامنن عليّ ، فمنّ عليه رسول اللّه ، وأخذ عليه ألايظاهر عليه أحدا ، فتعهّد بذلك ومدح الرسول بشيء من شعره . ثم لم يلبث أن أغراه المشركون بهجاء النبي والمسلمين ، ففعل بعد أن تمنّع ، وصار يؤلب على المسلمين لأجل أحد ، وقد حضر الموقعة فأسر ، فسأل النبي أن يمنّ عليه فقال له : « لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول : خدعت محمدا مرتين » ، ثم أمر به فضربت عنقه ، وقيل : إن الرسول قال له : « لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين » ، قيل : إن هذا من الأمثال التي لم تسمع إلا منه عليه الصلاة والسلام « 4 » . ومن الأسرى : الوليد بن الوليد ، افتداه أخواه خالد وهشام ، فلما افتدي ورجع إلى مكة أسلم ، فقيل له : هلّا أسلمت قبل الفداء ، فقال : خفت أن

--> ( 1 ) هم بنو النجار ، وقد كان وقع في أسرهم ، ولعل الذين أرادوا أن يقتلوه غير بني النجار ، أو بعض اخر منهم ، فلا تنافي بين هذه الرواية والسابقة . ( 2 ) هم أخوال أبيه عبد المطلب لأن أمه سلمى بنت عمرو من بني النجار ففي الكلام تجوز . ( 3 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 299 . ( 4 ) المرجع السابق ، 313 .