محمد بن محمد ابو شهبة

157

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يردّ عليهم شيئا ، ومكث ساعة ثم خرج والصحابة ما بين قائل برأي أبي بكر ، وقائل برأي عمر ، وقائل برأي ابن رواحة ، فقال : « إنّ اللّه ليليّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللّه ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وكمثل عيسى قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً وكمثل موسى قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أنتم اليوم عالة « 1 » ، فلا يفلتنّ أحد إلا بفداء أو ضربة عنق » . فقال عبد اللّه بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإسلام ، فسكت النبي ، قال عبد اللّه : فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء من ذلك اليوم ، حتى قال النبي : « إلا سهيل بن بيضاء » فسرّي عنه ، وهكذا رجّح النبي صلى اللّه عليه وسلم رأي الصدّيق لما جبل عليه قلبه من الرأفة والرحمة ، ولما فيه من التخلّق بصفة من صفات الرب جل وعلا ، حيث قال : « سبقت رحمتي غضبي » . وصول النذير بالهزيمة إلى قريش على حين كان المسلمون فرحين بنصر اللّه وما أفاء اللّه عليهم من الغنائم ، كان الحيسمان بن عبد اللّه الخزاعي يحثّ الطريق إلى مكة ، حتى كان أول من دخلها ، وأخبر أهلها بالهزيمة ، وقتل الكثيرين من صناديدهم وأشرافهم وأسر الكثيرين منهم ، وقد تشكّكوا أول الأمر ، ثم لم يلبثوا أن استيقظوا لما توالت عليهم النذر ، فكأنما نزلت عليهم صاعقة من السماء . وكان أشدهم غيظا وكمدا أبو لهب بن عبد المطلب ، ولم يمكث إلا بضع

--> ( 1 ) عالة : فقراء في حاجة إلى المال .