محمد بن محمد ابو شهبة

158

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ليال حتى رماه اللّه بمرض العدسة فقضى عليه ، وكانت قريش تتّقي هذا المرض ، فتركه ابناه بعد موته ثلاثا حتى أنتن ، فقال لهما رجل من قريش : ألا تستحيان ، إن أباكما قد أنتن في بيته ، ألا تدفنانه ؟ فقالا : إنا نخشى عدوى هذه القرحة ، فقال : انطلقا وأنا أعينكما عليه ، فغسلوه قذفا بالماء من بعيد ما يدنون منه ، ثم احتملوه إلى أعلا مكة فأسندوه إلى جدار ثم ردموا عليه الحجارة . وهكذا شاء اللّه سبحانه وتعالى أن يموت هذه الميتة الشنيعة لعداوته للرسول ومناهضته للإسلام ، وعدم رعايته للرحم حرمة . ومكثت قريش تنوح على قتلاها مدة ، ثم تواصوا فيما بينهم وقالوا : لا تفعلوا ، يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم . وكذلك تواصوا ألايسرعوا في بذل الفداء ، وقالوا : لا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم ، لا يأرب « 1 » عليكم محمد وأصحابه في الفداء ، وكان هذا من تمام ما عذّب اللّه به أحياءهم في ذلك الوقت ، فإن البكاء مما يبل فؤاد الحزين ، ويخفف من لوعة الحزن وهول المصاب ، وكان الأسود بن المطلب قد أصيب في ثلاثة من ولده : زمعة ، وعقيل ، والحارث ، فقال لغلام له : هل بكت قريش على قتلاها لعلّي أبكي على ولدي ، فإن جوفي قد احترق . افتداء الأسرى ولم تطق قريش الصبر على ما اتفقوا عليه من عدم التسارع إلى الفداء ، وانسلوا واحدا وراء الاخر ، وقد كان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال ، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه » ، فلما قالت قريش : لا تعجلوا بفداء أسراكم ، قال المطلب بن أبي وداعة : صدقتم لا تعجلوا ، وكان هو أول من نقض هذا ، فانسل من الليل وقدم المدينة ، وفدى أباه بأربعة آلاف درهم ، وكان هذا أول أسير فدي ، ثم بعثت قريش في فداء أسراهم .

--> ( 1 ) قال في النهاية في تفسير هذا الخبر : أي يتشدّدون عليكم في طلب الفداء .