محمد بن محمد ابو شهبة
131
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وأبشروا ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأني الان أنظر إلى مصارع القوم » . وكيف لا يسر الرسول بهذه المواقف المشرفة التي مبعثها الإيمان الصادق الذي لا يعرف الضعف ولا الاستخذاء ، والذي ظهرت ثمراته في كلمات طيبة مؤمنة ، والتي كشفت عن معدن العرب المسلمين الأصيل ، وأبانت الفرق الشاسع ما بين موقف اليهود من نبيهم موسى عليه السلام وموقف المسلمين من نبيهم محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإنها لمقارنة صادقة حقة في هذا الموقف الدقيق ، تشف عن نفاسة معدن العرب ، وبطولتهم ، وعن خبث معدن بني إسرائيل ونذلتهم . تسنّط أخبار قريش وارتحل المسلمون من « ذفران » ، حتى إذا كانوا على مقربة من بدر ركب رسول اللّه وصاحبه الصّديق حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له : سفيان الضمري ، فسأله الرسول عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه من أخبارهم ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال له رسول اللّه : « إذا أخبرتنا أخبرناك » فقال : أو ذاك بذاك ؟ قال : « نعم » ، قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به قريش ، فلما فرغ قال : ممن أنتما ؟ فقال رسول اللّه : « نحن من ماء » « 1 » ! ! ثم انصرفا عنه فقال الشيخ : ما من ماء ؟ أمن ماء العراق « 2 » ؟ ثم رجع رسول اللّه وصاحبه إلى أصحابه . فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء
--> ( 1 ) هذا من التوريات البديعة ، وهو يحتمل معنيين : أحدهما قريب وهو المكان المعروف بهذا الاسم ، والثاني بعيد وهو الماء الذي خلق منه كل كائن حي ، وهو مراد النبي . ( 2 ) يعني أمن المكان الذي بالعراق أم من غيره ؟