محمد بن محمد ابو شهبة
130
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
استشار النبي أصحابه في القتال ، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن الكلام ، وقام الفاروق عمر فقال وأحسن الكلام ، ثم قام المقداد بن الأسود « 1 » فقال : ( يا رسول اللّه امض لما أراك اللّه فنحن معك ، واللّه لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون - وفي رواية البخاري في صحيحه : « ولكن نقاتل عن يمينك ، وعن شمالك ، وبين يديك وخلفك » - فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد « 2 » لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ) ، فقال له رسول اللّه خيرا ودعا له . ثم قال رسول اللّه : « أشيروا عليّ أيها الناس » ، وإنما يريد الأنصار لأنهم لما بايعوه ليلة العقبة بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ما دام بين أظهرهم ، ولم تكن المبايعة على قتال خارج المدينة ، وإنها لمشورة حقة ممن كان أصدق الناس بالوعود ، وأوفاهم بالعهود ، وأبعدهم عن التوريط والخداع ، وقد فطن لهذا السيد الجليل سعد بن معاذ فقال : ( واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ) ؟ قال « أجل » فقال : ( لقد امنا بك وصدّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك ، فامض لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن نلقى عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب . صدق « 3 » عند اللقاء . لعل اللّه يريك ما تقر به عينك ، فسر على بركة اللّه ) فسرّ الرسول وأشرق وجهه ، ثم بشّر القوم بالنصر قائلا : « سيروا
--> ( 1 ) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي ، كان أبوه ترك بلاد قومه إلى حضرموت ، وهنالك تزوج وولد لهم المقداد ، فلما كبر المقداد تلاحى هو ورجل اخر ، فضربه بالسيف وهرب إلى مكة ، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري ، فتبنّى المقداد ، فكان يعرف به ، فلما أبطل الإسلام ذلك كان يقال له : المقداد بين عمرو ، ولكن بقيت شهرته ابن الأسود . ( 2 ) برك : بفتح الباء ، الغماد بكسر الغين موضع على خمس ليال من مكة في طريق اليمن . ( 3 ) صبر : بضم الصاد والباء جمع صبور ، صدق : بضم الصاد والدال جمع صدوق .