محمد بن محمد ابو شهبة

129

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

من جمع جموعها والتوجه إلى بدر حتى بلغ واديا يقال له « ذفران » « 1 » أو « الروحاء » ، وهناك أتاه الخبر عن قريش ومسيرهم في جيش كبير لمنع العير وحمايتها . وحينئذ تغيّر وجه الأمر ، ولم يصبح الأمر مقصورا على اللحاق بالعير والاستيلاء عليها ، فها هي قريش خرجت بجموعها الكثيرة ، وبذلك ترجحت كفة القتال والمناجزة ، فجمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كبراء الجيش وقال لهم : « أيها الناس إن اللّه وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم : إما العير ، وإما النفير » ، فتبيّن له عليه الصلاة والسلام أن البعض يريد العير ، ولا يرغب في لقاء النفير ، وقال بعضهم : هلّا ذكرت لنا القتال فنستعد ؟ ولكن الأكثرية كانت تريد لقاء النفير ، وقد ذكر اللّه سبحانه هذا في قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ « 2 » . وإذا أراد اللّه شيئا هيّأ له الأسباب ، وإن اللّه بالغ أمره قد جعل اللّه لكل شيء قدرا . استشارة النبي أصحابه في القتال وقد كانت هذه الاستشارة بمثابة اختبار لإيمان المسلمين ، وصلابة عقيدتهم ، ومقدار استعدادهم للقتال والتضحية في سبيل الإسلام ، وقد أسفر الامتحان عن نجاح باهر ، ودلّلوا بحق على أنهم أهل لحمل الرسالة المحمدية والجهاد في سبيل تبليغها للناس كافة .

--> ( 1 ) ذفران : بفتح الذال المعجمة وكسر الفاء : واد قرب وادي الصفراء . ( 2 ) سورة الأنفال : الآيتان 7 ، 8 . والمراد بالطائفتين : العير أو النفير يعني الجيش . ومعنى الشوكة : السلاح . فغير ذات الشوكة هي العير . وقد صار مثلا أن يقال : فلان لا في العير ولا في النفير لمن لا خطر له ولا يؤبه به .