محمد بن محمد ابو شهبة
128
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فرار أبي سفيان بالعير واختلاف المشركين في الخروج أما أبو سفيان فقد ساحل بالعير خارجا عن الطريق المعتاد ، فنجا ، وأرسل إلى قريش وقد خرجت عن بكرة أبيها يعلمهم بذلك ، ويشير عليهم بالرجوع قائلا : ( إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجّاها اللّه فارجعوا ) ، ورأى رأي أبي سفيان من قريش عدد غير قليل ، لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح قائلا : ( واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا ، فنقيم عليها ثلاثا ، ننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا ، فامضوا ) . وقال الأخنس بن شريق « 1 » - وكان حليفا لبني زهرة وكان فيهم مطاعا - : ( يا بني زهرة قد نجّى اللّه أموالكم وخلص لكم صاحبكم - مخرمة بن نوفل - فارجعوا ، فاتّبعوا مشورته ورجعوا ، فلم يشهد بدرا زهريّ ، وكذلك لم يشهدها أحد من بني عدي ، وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في صفوف المشركين - وبين بعض قريش محاورة فقال له : واللّه لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد ، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ، ومضت جموع قريش في خيلها وخيلائها حتى وصلت وادي بدر ، فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة . مسير المسلمين إلى بدر « 2 » أما النبي صلى اللّه عليه وسلم فقد سار وأصحابه في الطريق إلى بدر ، وكان لا يزال شائعا بين صفوف المسلمين أن عير أبي سفيان ستمر بها في طريقها إلى مكة ، ولم يكن عليه السلام عارفا بما فعله أبو سفيان من إفلاته بالعير ، ولا بما قامت به قريش
--> ( 1 ) شريق : بفتح الشين المعجمة وكسر الراء . ( 2 ) بدر : مكان بين مكة والمدينة ، وهو إلى المدينة أقرب ، سمي باسم بئر هناك . وكان به سوق تقام كل سنة ثمانية أيام وبه قرية الان .