محمد بن محمد ابو شهبة
8
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الصحابة - رضوان اللّه عليهم - فكان منهم الخليفة الراشد ، والقائد المحنك ، والبطل المغوار ، والسياسي الداهية ، والعبقري الملهم ، والعالم العامل ، والفقيه البارع ، والعاقل الحازم ، والحكيم الذي تتفجر من قلبه ينابيع العلم والحكمة ، والتاجر الذي يحول رمال الصحراء ذهبا ، والزارع والصانع اللذان يريان في العمل عبادة ، والكادح الذي يرى في الاحتطاب « 1 » عملا شريفا يترفع به عن التكفف والتسول ، والغني الشاكر الذي يرى نفسه مستخلفا في هذا المال ينفقه في الخير والمصلحة العامة ، والفقير الصابر الذي يحسبه من لا يعلم حاله غنيا من التعفف ، وكل ذلك كان من ثمرات الإيمان باللّه ، وبرسول اللّه ، وبهذا كانوا الأمة الوسط ، وكانوا خير أمة أخرجت للناس ! ! لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلامية يدركون ما لسيرة خاتم الأنبياء ، وسير الصحابة النبلاء ، من اثار حسنة في تربية النشء ، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام ، والتضحية في سبيلها بالنفس والمال ، فمن ثمّ كانوا يتدارسون السيرة ، ويحفظونها ، ويلقنونها للغلمان كما يلقنونهم السور من القران ، روي عن زين العابدين علي بن الحسين - رضي اللّه تعالى عنهما - قال : « كنا نعلّم مغازي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما نعلّم السورة من القران » « 2 » . وهذا هو الإمام الزهري عالم الحجاز والشام وهو من قدماء من عنوا بجمع السيرة ، بل قيل إن سيرته أول سيرة ألفت في الإسلام « 3 » ، يقول : « في علم السيرة علم الدنيا والآخرة » « 4 » ، وإنها لكلمة صدق وحق ، وروي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - قال : « كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول : يا بني هذه شرف ابائكم ، فلا تضيعوا ذكرها » « 5 » نعم - واللّه - إنها لشرف الاباء ، والمدرسة التي يتربى فيها الأبناء ! !
--> ( 1 ) الاحتطاب جمع الحطب الذي توقد به النار ، من الصحاري ورؤوس الجبال . ( 2 ) رواه الخطيب وابن عساكر . ( 3 ) السيرة الحلبية ، ج 1 ص 2 . ( 4 ) رواه الخطيب وابن عساكر . ( 5 ) شرح المواهب ، ج 1 ص 473 .