محمد بن محمد ابو شهبة

63

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وفي هذا المضيق أقاموا سدا هائلا ، وهو « سد مأرب » « 1 » ، وجعلوا له أبوابا ، وعيونا يصرفون منها المياه ، وبذلك أمكنهم أن يحتفظوا بالماء وراء السد لينتفعوا به وقت ما يريدون ، فزادت رقعة الأرض المزروعة ، وزرعوا في العام أكثر من مرة ، كما استفادوا به أيضا في التحكم في السيول التي كانت تغرق القرى ، وتتلف المزروعات ، فكثر الخصب ، وعم الرخاء ، وعاش أهلها في نعمة عظيمة ، وثمار وزروع كثيرة ، وأرزاق متنوعة متتالية « 2 » . وقد كانوا يتولّون السد بالرعاية والتجديد ، فكان كلما تهدم منه جانب أسرعوا بإصلاحه حتى لقد حدث ذلك عدة مرات ، فلما ضعفت الدولة في اخر أيامها شغلها ذلك عن العناية بالسد فبدأ يضعف ، وقلّت مقاومته للسيول الجارفة ، فانهار أمامها انهيارا يكاد يكون كليا ، فعمّ السيل البلاد ، وسبب الدمار والخراب ، وهو ما عبر عنه القران الكريم « بسيل العرم » « 3 » وبسبب هذا السيل العام ، وما حدث قبله من سيول كثيرة ، تبدلت الحال غير الحال ، وعمّ الخراب الديار والبلاد ، وبعد أن كانت بلادهم ذات بساتين مثمرة ، وزروع نافعة ، صارت ذات أشجار لا تغني ولا تسمن من جوع ، وذلك كما قال تعالى : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 ) « 4 » . وبسبب هذه السيول المتلاحقة ، ولا سيما أعظمها ، وهو سيل العرم ، كانت هجرة بعض القبائل العربية من اليمن ، فتفرقوا في غور البلاد ونجدها ، حتى

--> ( 1 ) في القاموس : مأرب كمنزل موضع باليمن . ( 2 ) البداية والنهاية ، ج 2 ص 199 . ( 3 ) العرم : الصعب الشديد فهو إضافة الموصوف إلى الصفة ، وقيل العرم : المطر الشديد ، وقيل اسم الوادي الذي كان يأتي منه السيل وبني فيه السد ، وقيل العرم : جمع عرمة وهو كل ما بني لحجز الماء فهو اسم للسد . ( 4 ) الآيتان 16 - 17 من سورة سبأ .