محمد بن محمد ابو شهبة
376
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
عليها ، ففعل ، وأمهرها أربعمائة دينار ، وبذلك صارت من أمهات المؤمنين يجلّونها ، ويكرمونها ، وينزلونها من أنفسهم منزلة الأم ، وكان عملا جد كريم ، من نبي كريم ، يواسي بنفسه فضلا عن ماله ، ولما علم بذلك أبوها أبو سفيان ، وكان من زعماء الشرك قال : هذا الفحل لا يقدع أنفه « 1 » . وقد بقيت بالحبشة حتى كانت سنة سبع ، فقدمت فيمن قدم مع جعفر بن أبي طالب عقب خيبر ، وقد تكفل ابن إسحاق وغيره بسرد أسمائهم ، ومن ولد لهم ، فمن أراد استقصاء فليرجع إلى الكتاب التي تكفلت بذلك « 2 » ، وقد أقام المهاجرون بخير دار إلى خير جار آمنين على أنفسهم ودينهم حتى أراد اللّه لهم الأوبة . وهم لابن إسحاق وغيره وقد عدّ ابن إسحاق وغيره كأبي نعيم والبيهقي أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة إلى الحبشة ، وهو وهم من بعض الرواة ، والصحيح أنه خرج في آخرين راكبين البحر قاصدين مكة ، فألقت بهم السفينة إلى الحبشة . روى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي موسى الأشعري قال : « بلغنا مخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فركبنا سفينة ، فألقتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ، فأقمنا معه حتى قدمنا ، فوافينا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين افتتح خيبر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لكم أهل السفينة هجرتان » « 3 » وهكذا رواه مسلم . سعي قريش إلى النجاشي في ردّ المهاجرين فلما رأت قريش أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أمنوا ، واطمأنوا بأرض الحبشة ، وأنهم قد أصابوا بها دارا واستقرارا ، وحسن جوار من النجاشي ، وعبدوا اللّه لا يؤذيهم أحد ، ولا يسمعون شيئا يكرهونه - ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين منهم جلدين ، وأن يرسلوا معهما للنجاشي هدايا
--> ( 1 ) هذا مثل يضرب للكريم الكفء يتزوج بالكريمة الأصيلة . ( 2 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 322 - 330 ؛ البداية والنهاية ، ج 3 ص 66 - 69 . ( 3 ) المراد هجرتهم من اليمن إلى الحبشة ، وهجرتهم من الحبشة إلى المدينة .