محمد بن محمد ابو شهبة
377
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
مما يستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الادم « 1 » ، فجمعوا له أدما ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك عبد اللّه بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعوا إلى كل بطريق « 2 » هديته قبل أن تتكلموا في شأنهم ، ثم ادفعوا إليه هداياه ، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا . فقدما عليهم ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا قدموا له هدية ، وقالوا له : إنا قدمنا على هذا الملك في سفهائنا ، فارقوا أقوامهم في دينهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، فبعثنا قومنا ليردهم الملك عليهم ، فإذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ، ولا يكلمهم ، ثم قدّموا إلى النجاشي هداياه ، وكان من أحب ما يهدى إليه الادم ، وذكر موسى بن عقبة في « مغازيه » أنهم أهدوا إليه فرسا وجبّة ديباج ، فقالوا له : أيها الملك ، إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه ، وقد لجأوا إلى بلادك ، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم : اباؤهم ، وأعمامهم ، وقومهم لتردهم عليهم ، فإنهم أعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ، فقال بطارقته : صدقا أيها الملك ، قومهم أعلم بهم ، فأسلمهم إليهما . فغضب النجاشي ثم قال : لا ، لعمر اللّه ، لا أردهم عليهم حتى أدعوهم فأكلمهم ، فأنظر ما أمرهم ؟ قوم لجأوا إلى بلادي ، واختاروا جواري على جوار غيري ، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني ! ! إحضار النجاشي للمسلمين وسؤالهم ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما جاءهم رسوله قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول واللّه ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما جاؤوا - وقد
--> ( 1 ) الجلود ، وهو بفتح الهمزة والدال ، أو ضمهما ، جمع أديم . ( 2 ) البطريق : القائد العظيم الذي يلي عشرة آلاف فما فوق .