محمد بن محمد ابو شهبة
374
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، ليجعل ما يلقي الشيطان في سبيل دعوات الأنبياء فتنة لضعفاء الإيمان ، ومرضى النفوس ، وقساة القلوب الذين لا يعتبرون ولا يتعظون وهم المجاهرون بالكفر ، أو ليعلم الذين أوتوا العلم وكشف اللّه الحجب عن بصائرهم أن ما جاء به الرسل هو الحق من ربهم فتخبت له قلوبهم ، وإن اللّه لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم . الثاني : أن المراد بالتمني القراءة « 1 » ، ولكن الإلقاء ليس بالمعنى الذي أراده المبطلون مما رووه وهو إجراء الشيطان الباطل على لسان النبي ، ولكن الإلقاء بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه فيما يتلوه عليهم النبي مما يحتمله الكلام ، ولا يكون مرادا للمتكلم ، أو لا يحتمله ، ولكن يدّعي أن ذلك يؤدي إليها ، وذلك من شأن المعاجزين الذين دأبهم محاربة الحق يتبعون الشبهة ، ويسعون وراء الريبة ، ونسبة الإلقاء للشيطان على هذا بمعنى أنه المتسبب والملقي لهذه الشبهات في نفوس أتباعه ، ويكون المعنى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدّث قومه عن ربه ، أو تلا عليهم وحيا أنزله اللّه لهدايتهم قام في وجهه مشاغبون يتقوّلون عليه ما لم يقله ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، وينشرون ذلك بين الناس ، ولا يزال الأنبياء والمرسلون يجالدونهم ويجاهدون في سبيل الحق حتى ينتصر ، فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان من شبه ، ويثبت الحق ، وقد وضع اللّه هذه السنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب ، فيفتتن ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض ، ويتمحص الحق عند أهله وهم الذين أوتوا العلم فيعلموا أنه الحق ، وتخبت له قلوبهم ، ويستمر عليه سلوكهم وعملهم . وقد ذكر البخاري في صحيحه هذين المعنيين للتمني ، وبدأ بالأول ، وثنّى بالثاني ، بل ذكره بصيغة التضعيف « 2 » ، ونقل الأول عن ترجمان القران ابن عباس ، وعلى تفسيره للتمني فالآية لا تمت بصلة ما إلى ما رواه المبطلون ، وقد بيّنا على التفسير الثاني أنها لا تدل أيضا على ما ذكروه .
--> ( 1 ) ومما يدل على هذا قول حسان في عثمان : تمنّى كتاب اللّه أول ليلة * تمني داود الزبور على رسل ( 2 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب تفسير سورة الحج .