محمد بن محمد ابو شهبة

339

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

استهزاؤهم بالرسول ومر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وأبي جهل بن هشام ، فهمزوه واستهزؤوا به ، فغاظه ذلك ، فأنزل اللّه عليه مسليا ومواسيا ، ومنددا بهم ومنذرا قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) « 1 » . ولم يعبأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكل هذا ، بل مضى إلى سبيله يدعو إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وما زاده الإسراف في الإيذاء والاستهزاء إلا إصرارا على الدعوة . ما نزل بالمسلمين ولا سيما المستضعفين من البلاء والفتنة لا يكاد التاريخ يعرف قوما ابتلوا بألوان البلاء ، وفتنوا أشد الفتنة مثل ما عرف ذلك لأصحاب نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد عذّبوا عذابا تنوء به الجبال ، وأوذوا في سبيل عقيدتهم ودينهم أشد الإيذاء ، ولا سيما الأعبد والضعفاء منهم ، وليس هذا بعجيب من قوم خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ، من أول يوم اعتنقوا فيه الإسلام ، وتوالت عليهم آيات الوحي والمواعظ النبوية صباح مساء ، وأخذهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأساليبه الحكيمة في التربية والتهذيب ، وكان لهم القدوة الحسنة في الثبات والصبر ، والتحمل ، والاستهانة بكل لأواء الحياة ، والامها ، ومرّها ، في سبيل العقيدة والغاية الشريفة . ولم يكن هؤلاء السادة يبغون من إيمانهم ملكا ، أو جاها ، أو مالا ،

--> - له ، وقد ردّ اللّه على العاص مقالته ، أي هو الأبتر ، لا أنت يا رسول اللّه ؛ لأن كل من يولد إلى يوم القيامة فهم أولادك ، وأعقابك ، وأنت أب لهم ، وذكرك مرفوع على المنابر والمآذن ، وعلى لسان كل عالم ، ومصلّ ، وذاكر إلى اخر الدهر ، ذلك وفي الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف ، وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة . ( 1 ) الآية 10 من سورة الأنعام .