محمد بن محمد ابو شهبة
340
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
أو سمعة ، وإنما كان همهم أن يقوم هذا الدين وينتشر ، وتسود العالم شريعة الحق ، والعدل ، والمساواة ، واحترام حقوق الإنسان . ولئن كان وجد في الأمم السابقة من ضربوا مثلا عالية في التضحية والصبر والتحمل في سبيل الإيمان والدين ، إلا أنهم لم يكونوا في الكثرة مثل ما كان ذلك في الإسلام ، ولم يكن لهم من قوة الإيمان وصلابة الاعتقاد مثل ما كان لأصحاب نبينا محمد . وليس أدل على هذا من أن الحواريين الذين كانوا أخلص الخلصاء لعيسى - عليه الصلاة والسلام - خانه بعضهم وهو يهوذا الأسخريوطي كما ذكرته كتبهم - ودل عليه اليهود الذين كانوا يطلبونه لقتله ، لولا أن رفعه اللّه إليه وعصمه منهم ، ولن تجد مثالا واحدا لهذا في الصحابة - رضوان اللّه عليهم - على كثرتهم الكاثرة على أصحاب عيسى - عليه السلام - بل كانوا يفدونه بأنفسهم وأهليهم وأموالهم . وقد كان أبو جهل الفاسق الباغي إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنّبه وأخزاه ، وقال له : تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهنّ حلمك ، ولنفيّلنّ « 1 » رأيك ، ولنضعنّ شرفك . وإن كان تاجرا قال : واللّه لنكسدنّ تجارتك ، ولنهلكنّ مالك . وإن كان ضعيفا ضربه ، وأغرى به . وإن في هذه الرواية التي رواها ابن إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يعطينا صورة مؤلمة غاية الألم لما كان ينالهم من العذاب ، قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم ، واللّه إن كانوا ليضربون أحدهم ، ويجيعونه ، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا
--> ( 1 ) لنخطئن ، ففي القاموس : فال رأيه ، يفيل فيولة ، وفيلة : أخطأ وضعف ، وفيّل رأيه : قبحه وخطأه .